حتى في الفترة التي بدا فيها أن المحور القطري ــــ التركي يقود عملية تغيير شاملة على امتداد العالم العربي خلال عامي 2011 و2012، بقي تناقض قطر الرئيس: مع السعودية. لقد حكم هذا التناقض مجمل سياسات قطر منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، وما زال يحكمها إلى اليوم. ولا يمكن فهم زيارة الشيخ تميم بن حمد الأخيرة إلى الولايات المتحدة، والعقود «الدسمة» التي وقّعها في مجالات الدفاع والطيران والطاقة بمعزل عنه. الشيخ تميم مدرك أن «العلاقات الخاصة» التي تربط بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد من جهة وآل دونالد ترامب وجارد كوشنر من جهة أخرى، والتي أدت عند انفجار الأزمة القطرية ــــ السعودية ــــ الإماراتية إلى انحياز أميركي تلقائي إلى البلدين الأخيرين، لا تمنع اليوم حقيقة كونه حاجة ماسة لترامب. فالرئيس الأميركي يأمل أن تؤدي المفاوضات بين بلاده وحركة «طالبان»، التي ختمت في الدوحة جولتها السابعة قبل يومين من زيارة الأمير القطري لواشنطن، إلى اتفاق يسمح بسحب قواته من أفغانستان، ويُحسب له كإنجاز كبير من قِبَل قطاعات معتبرة من الرأي العام الأميركي قبل البداية الرسمية للحملة الانتخابية. هو أيضاً يحتاج إلى القناة القطرية، كإحدى قنوات التفاوض المحتملة مع إيران، في ظل تصاعد التوتر معها. هذه الوقائع، إلى جانب التحالف الذي نسجته مع تركيا والعلاقات المميزة التي احتفظت بها مع إيران، ستمنح الدوحة القدرة على الاستمرار في مواجهة السعودية، عدوّها الأساسي.

من الصعب الفصل بين استطاعة قطر اعتماد السياسات التي اتبعتها منذ أواسط التسعينيات، عن نجاحها في بناء تحالف قوي مع الولايات المتحدة، تُوّج عام 2003 باتخاذ القيادة المركزية الأميركية مقراً في قاعدة العديد، وتحولها كذلك إلى مركز للعمليات الجوية الأميركية في الشرق الأوسط. وجود القوات الأميركية في هذه القاعدة هو الذي منع السعودية من اجتياح الإمارة المجهرية، تماماً كما حالت بريطانيا في عشرينيات القرن الماضي دون إقدام مؤسس المملكة السعودية، عبد العزيز آل سعود، على احتلالها وغيرها من الإمارات الخليجية. حرصت القوى الغربية المسيطرة على منطقة الخليج، وما زالت تحرص، على دوام التجزئة، وما تتيحه من مكاسب وفرص في علاقاتها الثنائية مع المشيخات والإمارات والسلطنات. وإذا كانت غالبية هذه الكيانات قد اختارت الانقياد خلف السعودية، «الشقيقة الكبرى»، فإن قطر، بعد وصول الشيخ حمد بن خليفة وفريقه، وبينهم وزير خارجيته حمد بن جاسم، إلى السلطة بـ«انقلاب أبيض»، أخذت بخيار «الاستقلال» عنها، تمهيداً لمنافستها على الزعامة خليجياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، كما أظهرت سلسلة من التطورات اللاحقة.
أقامت الدوحة مجموعة علاقات مميزة وتحالفات مع أطراف خارجية، دولتية وغير دولتية، متناقضة وأحياناً متناحرة، واعتمدت سياسات بدت متعارضة شكلاً، لكنها هدفت في جوهرها إلى خدمة أولوية المواجهة مع السعودية. من الممكن تقسيم السياسة الخارجية القطرية الى ثلاث مراحل على المستوى الزمني؛ المرحلة الأولى التي بدأت مع استيلاء حمد بن خليفة على السلطة واستمرت حتى عام 2001، تميزت بتقارب شديد مع الولايات المتحدة والاندفاع في مقدمة المطبّعين مع إسرائيل، على الأغلب لإظهار حسن نيات الفريق الحاكم الجديد للولايات المتحدة. لم يمنع هذا الأمر قيام الفريق المذكور بتطوير علاقات سياسية واقتصادية مع إيران، والتواصل المستمر مع العراق أيام رئاسة صدام حسين. وقد ركّزت قناة «الجزيرة»، التي أنشئت في تلك المرحلة لمواجهة احتكار السعودية للقنوات الفضائية عبر مجموعتَي «MBC» و«ART» الإعلاميتين، هجومها على المحور السوري ــــ المصري ــــ السعودي ومواقفه، وكانت بين المبادرين إلى التطبيع مع الإسرائيليين. ولا شك في أن هذا الهجوم لاقى استحساناً أميركياً، نتيجة للتناقض بين المحور الثلاثي آنذاك والولايات المتحدة حول عملية التسوية ومشروع السوق الشرق أوسطي الذي طرحه شمعون بيريس، وتبنّته إدارة بيل كلينتون.
لكن الظروف اختلفت جدياً بعد هجمات 11 أيلول 2001، وانصياع مصر والسعودية لإملاءات إدارة بوش الابن، وانسياقهم خلف سياستها في المنطقة. أول نتيجة لهذا التغيير كانت تقارباً قطرياً قوياً مع سوريا، والمزيد من تعزيز العلاقات مع إيران، وتحول قناة «الجزيرة» إلى منبر للمناهضين للسياسة الأميركية على اختلافهم، من «حزب الله» و«حماس»، إلى المقاومة العراقية وتنظيم «القاعدة». من يتذكر مواقف قطر في تلك الفترة، يخال أنها باتت طرفاً في محور الممانعة على الأقل، لولا وجود القوات الأميركية في قاعدة العديد واستمرار تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. سمحت هذه الأخيرة للإمارة بهامش تتمايز فيه عن المواقف والسياسات الأميركية، لأن ذلك أعطاها القدرة على أن تكون وسيطاً لحساب واشنطن مع أعدائها عند طلبها ذلك، ومصدراً للمعلومات عنهم، خاصة عن التنظيمات المقاومة وتلك «الجهادية». ما زال الكثير من الشبهات يحوم حول عمليات اعتقال تمت لأعضاء من الجماعات «الجهادية»، والدور القطري في ذلك.
عام 2011 شكل نقطة الانطلاق للمرحلة الثالثة التي اعتقدت خلالها الدوحة أن بإمكانها، بالتحالف مع أنقرة، قيادة عملية التغيير السياسي في العالم العربي. ظنّ حكام قطر أنهم يمتلكون مجموعة من أوراق القوة تؤهلهم للقيام بمثل هذا الدور: شبكة علاقات متينة، وأحياناً «عضوية»، مع قطاع وازن من نخب الحركات الإسلامية التي تمتعت بدعم متعدد الأشكال من قِبَلها، وسطوة إعلامية ممثلة بقناة «الجزيرة»، التي أثبتت قدرة مميزة على التأثير في الشارع العربي، وإمكانات مالية هائلة نتيجة تحول الإمارة إلى أحد أبرز المصدّرين العالميين للغاز الطبيعي. المآلات التي وصلت إليها الانتفاضات الشعبية في بلدان المنطقة بدّدت آمال الإمارة الغازية الصغيرة، وهي أضحت متورطة في صراع مباشر مع السعودية والإمارات، امتدّ من مصر وتونس وليبيا، ليصل إليها مع حصارها عام 2017. زيارة تميم لواشنطن تأتي في سياق احتدام هذا الصراع، وغايتها الأهم هي التأكيد للحليف الأميركي أن قطر مستعدة أكثر من ذي قبل لتقديم الخدمات المطلوبة وتوقيع العقود الضخمة مقابل استمرار الحماية.