خَطت شركة «أرامكو» السعودية أولَى خطواتها نحو الاكتتاب العام المرتقب، في عملية بيع لجزءٍ من أسهمها في السوق المحلية، يُفترض أن تُشكّل حجر الزاوية في برنامج وليّ عهدها، محمد بن سلمان، «الإصلاحي»، أو ما يُعرف بـ«رؤية 2030». خطوةٌ تأتي وسط قلقٍ يعتري السوق العالمية، ولا سيما بعد أسابيع على الهجمات اليمنية التي استهدفت منشأتين تابعتين لعملاق النفط، وسعَت المملكة إلى التقليل من تأثيرها، مضافاً إليها التوتّر الذي تصاعد في الخليج أخيراً. كما أنها تأتي بعد أيام على اختتام أعمال منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» بصفقات هزيلة ونهاية محبطة على طريق تنويع الاقتصاد.

تصرّ «شركة النفط الوطنية السعودية» على أنها لا تتوقّع أن تؤثّر هجمات 14 أيلول/ سبتمبر، التي استهدفت منشأتَي بقيق وخريص وأدّت في بادئ الأمر إلى خفض إنتاج المملكة من الخام إلى النصف، في نشاطها وعملياتها ووضعها المالي على نحو ملموس، مع إطلاقها طرحها العام الأولي، كما صرّح الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو»، أمين الناصر، في مؤتمر صحافي. فبعد سنوات من التأجيل، أكّدت «أرامكو» أنّها تعتزم بيع عددٍ لم تحدّده من الأسهم بسعرٍ لم تحدّده في السوق المالية السعودية «تداول»، واصفةً الحدث بـ«العلامة الفارقة» في تاريخ الشركة، لكنّها لفتت إلى أن كل المسائل المرتبطة بعملية الطرح الأوّلي ستتحدّد خلال الإعداد لبدء البيع، المتوقَّع أن يكون في منتصف كانون الأول/ ديسمبر المقبل.
وبينما اقتصر «التأكيد» على طرحٍ محلّي، في ظلّ تقارير عن صعوبات في استقطاب مستثمرين كبار، أشار رئيس مجلس إدارة الشركة، ياسر الرميان، إلى أنه لا خطط راهنة لطرحٍ ثانٍ في البورصة العالمية، بعدما جرى الحديث طوال سنوات عن طرحٍ ثنائي محلّي ودولي، بواقع 5% من أسهم الشركة، 1% إلى 2% منها في السوق المحلية، و3% إلى 4% في سوق أجنبية. ولأنّ شكوكاً كبيرة تعتري الطرح الأولي، ستخضع هذه الأسهم للتدقيق عندما تُطرح في البورصة السعودية في الأسابيع المقبلة، خصوصاً أن تأخير الطرح كان مرتبطاً بمخاوف الرياض من إمكانية أن يسلّط الطرح في بورصة دولية الضوء على تفاصيل متعلّقة بعمل الشركة ودفاتر حساباتها. ومن هنا، يقول الباحث في معهد «بيكر»، كريستيان أولريشسون، إنه «حال حدوث هبوط حادّ لأسعار الأسهم بعد طرحها، ستكون ضربة واضحة لمصداقية الإصلاحات الاقتصادية المرتبطة بشدّة بوليّ العهد (ابن سلمان)».

تصرّ «أرامكو» على أن الهجمات الأخيرة لن تؤثّر في نشاطها ووضعها المالي


وتراجعت البورصة السعودية بنسبة 2% عقب إعلان الطرح أمس، بينما حذّر محلّلون من مخاطر ذلك، لكونه قد «يثقل» على سوق الأسهم. ويرى أولريشسون أنّ «تأجيل الطرح مراراً وتقديمه على أنه مكوّن رئيس في خطة ولي العهد لتحويل السعودية يجعلان المستثمرين الدوليين يراقبون عن كثب أداء أرامكو في السوق المحلية، خاصة في ظلّ غياب أي تفاصيل مؤكدة عن النسبة التي ستطرح في بورصة أجنبية». في موازاة ذلك، واجهت «أرامكو» شكوكاً من المستثمرين الدوليين في لندن ونيويورك حيال الشفافية التي تحكم الشركة وإدارتها. ويبقى أن خطوة الطرح في السوق المحلية «لا تواجه عراقيل مهمة مقارنة بالعملية نفسها في البورصة الدولية»، وفق الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط في «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجيّة»، شينزيا بيانكو.
وفيما تبقى قيمة الاكتتاب غير معروفة، كانت «أرامكو» تتطلع إلى جمع 100 مليار دولار من نسبة 5% بناء على تقييم للشركة بتريليونَي دولار. وتقرّر تأجيل الاكتتاب أكثر من مرّة، لأن تقييم الشركة، وفقاً لحسابات المصرفيِّين بعد اجتماعات مع مستثمرين محتملين، كان دون مستوى التريليونَين، الذي حدّده ابن سلمان عام 2016 حين تحدّث للمرة الأولى عن الاكتتاب العام. غير أن الرقم هذا يبقى طموحاً جداً مقارنةً بالواقع، إذ يتوقّع مراقبون طرح النسبة الضئيلة من شركة النفط على أساس تقييم للشركة يتراوح بين 1.5 و 1.7 تريليون دولار. في هذا الإطار، يقول أولريشسون: «يبقى أن نرى هل ستتوصّل السلطات السعودية إلى تسوية بين ما يريده ولي العهد، وواقع أرامكو في السوق».
ولتيسير إتمام الصفقة، تعتمد الرياض على توافر الائتمان السهل للمستثمرين الأفراد والمساهمات الكبيرة من السعوديين الأثرياء. من هنا، حاولت المملكة تحفيز السوق المحلية على الاكتتاب في الشركة قبل الطرح، وذلك بإجبار العائلات الثرية على شراء حصص، بينما روّجت وسائل إعلامها لعملية الشراء على أنّها «عملٌ وطني». ويرى المدير لدى شركة «مينا أدفايزرز»، روري فايف، أن «أياً كان ما ستحقّقه هذه الجولة المحلية، ومع كون اللاعبين المحليين مدفوعين دفعاً إلى الاستثمار، فإن المستثمرين الدوليين سيقيّمون الأمر بما يقل كثيراً عن توقعات ولي العهد».