في توقيت سياسي حساس، يعقب ذروة التصعيد الإقليمي المرشّح للاستمرار بصور مختلفة، جاء تصريح وزير الخارجية السعودي حول إيران، ليسلّط الأضواء على الوساطات على خطّ الرياض - طهران. لا ينكر الطرفان، السعودية وإيران، أن ثمة قنوات اتصال ووساطات تمّ تفعيلها بين الطرفين في الآونة الأخيرة. إلا أن علاقة البلدين المأزومة لم ترق بعد إلى مستوى التطبيع الذي عاد ليحكم علاقة الإمارات بإيران. ما هو ظاهر ومؤكد أن ثمة مهادنة تخيّم على متشاطئي الخليج، وهي بدأت بالسريان، في الحدّ الأدنى، ما بعد ضربة «أرامكو» والتهدئة التي تبعتها بين صنعاء والرياض.

تختلف القراءات في شأن ما يريده كلّ طرف من الآخر، إلا أن المعلومات تفيد بأن الولايات المتحدة لا تزال تضغط على المملكة لتقليص هامش تواصلها مع طهران. وفي حين يريد الإيرانيون تحييد السعودية عن الحملة الأميركية ضدهم، يرى مراقبون أن الموقف السعودي تطوّر من المتحمّس الأول للحملة إلى الانكفاء شيئاً فشيئاً لسببين: كلفة الحملة التي ظهرت عيّنات منها في حوادث الخليج وضربة «أرامكو»، قيادة واشنطن للحملة بحسابات أميركية فقط لا تراعي ما تطمح إليه الرياض. وبين النتيجتين اللتين تعاني منهما المملكة، يرى آخرون أن محاولة الرياض إفساح المجال أمام قنوات الدبلوماسية الخلفية هدفه المناورة لتحييد السعودية نفسها عن آثار المواجهة لا غير. إلا أن ما يتأكد في الآونة الأخيرة هو التأثير الكبير لولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، على الرياض، ونجاحه في إقناع المملكة بضرورة الانكفاء والتهدئة في الإقليم، على غرار الاستراتيجية الإماراتية الجديدة. وهذا التوجّه يظهر في اليمن وباتجاه سوريا، وهو يسير في محاولة لكسب «عامٍ هادئ» تُمرّر فيه جملة استحقاقات سياسية واقتصادية كبرى في الخليج، أهمها «قمة العشرين»، وتخفف من آثار التصعيد والمواجهة.
وبعد تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، من الهند، بالاستعداد للحوار مع السعودي، كتتويج لجملة تصريحات إيرانية مماثلة، أتى نظيره السعودي فيصل بن فرحان آل سعود، أمس، ليبدي في مقابلة مع «رويترز» انفتاح بلاده على المحادثات مع إيران. التصريح السعودي بقي عاماً وضبابياً، إذ اشترط إقرار طهران بأنه «لا يمكنها دفع أجندتها الإقليمية من خلال العنف»، واعتبر أن تهيئة الظروف لإجراء المحادثات «يرجع في الحقيقة إلى إيران». لكن اللافت في التصريح هو مناقضة مواقف في أعلى هرم السلطة السعودية، كموقف ولي العهد محمد بن سلمان، في أيار 2017: «من المستحيل الحوار مع قوة (إيران) تخطّط لعودة الإمام المهدي». الأمر الآخر هو تأكيد تصريح الوزير وجود «كثير من الدول» عرضت الوساطة، كما قال، وذلك بعد تكتّم سعودي على الوساطات.
وقد سبق كلام ابن فرحان، تشديد مدير مكتب الرئيس الإيراني حسن روحاني، محمود واعظي، على ضرورة عمل طهران والرياض معاً لحلّ المشكلات، وأن لا تصبح علاقات البلدين «مثل علاقات إيران مع الولايات المتحدة». وعلى رغم أن البعض اعتبره «مفاجئاً»، يبقى التصريح السعودي في خانة التهدئة القائمة، فلا يمكن الاستدلال به على أكثر من استمرار هذه التهدئة والرسائل المتبادلة عبر الوسطاء، من دون إمكانية توقّع تبدّل كبير في المشهد، سواء نحو المصالحة أو التصعيد.