يريد ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أن يحكم السعودية بحدّ السيف، وأن يشتري صمت العالم إزاء وحشيته، بالنفط. لم نشهد إدانات غربية للمذبحة السعودية المتمثّلة بإعدام 81 رجلاً وفتى، ولا سيما في أوروبا، التي تحظر تلك العقوبة القصوى، وعادة ما كانت تحتجّ إذا أُعدم رجل واحد في بقعة ما من العالم، لكن فقط حين يكون ثمّة توظيف سياسي للاعتراض. هذا العالم الغربي سيبلغ قمة فضيحته، إذا ما مضى أحد رموز جشعه، رئيس وزراء بريطانيا، بوريس جونسون، في زيارة يُحكى عنها إلى الرياض الأسبوع المقبل، مبعوثاً للرئيس الأميركي، جو بايدن، لاستجداء ابن سلمان بضخّ المزيد من النفط الذي صارت أسعاره أغلى من الدماء. في هذا الجو، يشعر ولي العهد السعودي بفائض قوة ناجم عن فائض البترودولار، يمكّنه من تنفيذ إعدام هذا العدد من الأشخاص في يوم واحد، من دون أن يرفّ له جفن، وفي ظلّ صمت عالمي جبان، لم يخرقه سوى صوت صليل السيوف تحزّ الرقاب، وشمل الكثير مما يسمّى منظمات حقوقية، مستفيداً من تعطّش الغرب للنفط، بعدما انقلب على الأخير سحر العقوبات ضدّ روسيا في حرب أوكرانيا، التي استغلّها ابن سلمان إلى الحدّ الأقصى، بحيث نجح في ابتزاز الغرب، وغازل في الوقت نفسه فلاديمير بوتين، حليفه الأول في نادي النفط.

أراد ابن سلمان، في ظلّ فجوة في اهتمامات الإعلام العالمي طاولت كلّ القضايا الأخرى باستثناء حرب أوكرانيا، فرض سلطته في الداخل بقوة الرعب، بلا رادع ولا وازع، موجّهاً ضربة قاسية إلى كلّ صوت معترض، مهما كان نوعه. على أن قسمة العدد بين السنة والشيعة (40 إلى 41) لها أيضاً وظيفة، بحيث لا تخرج أصوات في الأوساط السنية في المملكة، تتّهم ولي العهد بمحاباة إيران التي اعتمد لهجة مهادنة معها في الأشهر الماضية، فيما لو اقتصرت الإعدامات على عناصر "القاعدة" و"داعش". فالإعدامات تنمّ في الأساس عن فائض خوف لدى الأمير من التهديد الآتي من الوسط السني بالذات، خاصة أن كثيراً من الدعاة مسجونون في المملكة، فقط لأنهم لم يخضعوا له، وإن لم يعترضوا على سياساته علناً، وبين هؤلاء من يملكون شعبية عارمة في السعودية من أمثال سلمان العودة وعوض القرني وغيرهما، فضلاً عن آخرين ممنوعين من السفر من أمثال محمد العريفي. وتسود مخاوف من تعرُّض بعض المذكورين لعقوبة القتل تعزيراً وفق طلبات للنيابة العامة، أو من أن تطاول تلك العقوبة بعض أفراد الأسرة الحاكمة، خاصة أن وليّ العهد نكث بوعده حصر الإعدام، بالقصاص.
تندرج في السياق عينه أيضاً، حملة الأمير الخائف، الأخيرة لقصّ أجنحة المؤسسة الوهابية الموالية تاريخياً لحكم آل سعود، باعتبار أنه لم يفلح في نيل شرعية تلك المؤسسة (بدليل سجن الدعاة) التي سارت يداً بيد مع الأسرة منذ توقيع صفقة الدرعية بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب في عام 1744، والتي واكبت جزءاً من فترة الدولة السعودية الأولى وتأسيس الثانية والثالثة. فسعى إلى ضرب أسس تلك المؤسسة، من خلال رفع مستوى التشكيك في الأحاديث المتواترة وأحاديث الآحاد عن النبي، وهي الأحاديث التي تعتمد عليها الوهابية في تبرير تطرفها، وأخيراً إعلان "يوم التأسيس" في 22 شباط 1727، عيداً وطنياً سعودياً، في رسالة واضحة مفادها أن الوهابية لم تكن جزءاً من المملكة عند تأسيسها، ومن ثم قوله في مقابلته الأخيرة مع "ذي أتلانتيك" إن "محمد بن عبد الوهاب ليس السعودية. فالسعودية لديها المذهب السنّي والشيعي، وفي المذهب السنّي توجد أربعة مذاهب، ولدى الشيعة مذاهب مختلفة كذلك، ويتم تمثيلها في عدد من الهيئات الشرعية".

الإعدامات بحق 41 من أبناء محافظة القطيف ترتدّ سلباً على ولي العهد في أوساط الشيعة


قد تخدم التغييرات الحاصلة في العالم نحو العودة إلى تعدد القطبية، ابن سلمان كثيراً، إذ لا يمكن في ظلّ الميوعة السائدة حالياً الحديث عن تغيير جزئي أو كلي داخل السعودية، يعيد، بإرادة دولية، التوازن المفقود في قيادتها، والذي يحتاج إليه الغرب مع استمرار حاجته إلى النفط السعودي خلال العقود المقبلة، في ظل نزوع الحاكم الفعلي الحالي للمملكة إلى درجة من القمع محرجة للغرب الذي يحرص على مداراة فضيحته. لكن في المقابل، يرتفع في هذا الوضع خطر القلاقل الداخلية، ولا سيما في ظلّ وجود أعداء كثر لولي العهد داخل الأسرة، وفي الأوساط الدينية، وبين الشيعة، وهذا هو مصدر فائض الخوف لديه، خاصة أنه متورط أيضاً في سلسلة أزمات إقليمية أهمها حرب اليمن ومنافسات متزايدة على الصعيد الخليجي، وصراعات سياسية مع كلّ من تركيا وإيران، التي تفيد التقارير الإخبارية بتعليقها المحادثات مع السعودية من جانب واحد احتجاجاً على المذبحة، مع اقتراب الموعد المقرّر لبدء جولة جديدة منها في العراق هذا الأسبوع، على رغم التقدّم المحرز في الجولات السابقة، وفق تأكيدات سعودية وإيرانية.
سترتدّ الإعدامات بحق 41 من أبناء محافظة القطيف، سلباً على ولي العهد في أوساط الشيعة، أولاً لأن كل هؤلاء لم يرتكبوا أيّ جريمة، وكل ما فعلوه المشاركة في تظاهرة أو كتابة شعار على جدار، ومنهم من لم يكن قد بلغ الحلم حينها، مثل الطفل عبدالله الزاهر الذي لم يكن قد تجاوز الـ13 من عمره عند اعتقاله عام 2012، وثانياً لأن الكثير من الشيعة كانوا قد بدأوا يظهرون ارتياحاً لتوجه ابن سلمان للابتعاد عن التزمت الوهابي، وسيضطرون الآن لمراجعة حساباتهم. إلا أنه يمكن للأسعار المرتفعة للنفط أن تعزز قبضة ولي العهد على السلطة، بشراء الولاءات التي هي سياسة موازية لسياسة القمع الشديد، وإتاحة إمكانات أكبر له في عملية تحويل المجتمع السعودي بعيداً عن الوهابية، بالاعتماد خصوصاً على فئة الشباب. فالموجة الجديدة من الإعدامات لم تضمّ، مثلاً، تجار مخدرات كانت المملكة سابقاً تتشدّد حيالهم.
إذا تأكد تقرير "سكاي نيوز" عن زيارة جونسون قريباً إلى الرياض، وهو على أي حال لم ينقطع يوماً عن الدردشة مع ابن سلمان عبر الواتساب، متميّزاً بذلك عن جو بايدن وقادة غربيين آخرين، فقد تُمثل حدثاً مفصلياً يرغب المسؤول البريطاني في أن تنجم عنه صفقة تجبّ ما قبلها من نزاعات مع الأمير، وتعيد للسعودية وظيفتها الأصلية كأداة للغرب في الصراعات الدولية. لكنّ البريطانيين ما زالوا حذرين، وربما يعكس ذلك توجساً من أن يكون ولي العهد صار مقتنعاً بأنه يستطيع القيام بدور آخر في عالم متعدد القطبية.