في ظل غياب حلقات الإرشاد الرسمي وافتقاد المزارع لها، تعود وزارة الزراعة اليوم لتسدّ الثغرة، عبر تفعيلها مفهوم «المدارس الحقلية»، وخصوصاً مع توزّع المهندسين الجدد على مراكز الأقضية في مختلف المناطق اللبنانية


مايا ياغي
«المدارس الحقلية للمزراعين» هي مفهوم إرشادي حديث، يختلف عن الإرشاد التقليدي الذي يسعى إلى تقديم معلومات زراعية ونصائح إرشادية جاهزة للمزارع. فهو يعتمد على التواصل المستمر بين المزارع وبين مرشد أو ميسّر، يكون معه في الحقل، مقدماً مجموعة من البدائل لممارسات تقليدية اعتادها المزارعون، كرشّ المبيدات من دون وجود حشرة أو آفة، أو التسميد العشوائي. وتخضع طريقة تصحيح المعلومات التقليدية لعمليات تجربة تطال الخيارات البديلة المتوافرة، وتفضي إلى تقويمها خلال الموسم الزراعي، حتى الوصول إلى تبني الخيار المناسب والأفضل لكل مزارع على حدة، من حيث كلفة الإنتاج، مردوده، مقاومة المحصول للآفات، ومدى إمكان تطبيق الخيارات المطروحة وسهولته.
وقد طبّق مفهوم المدارس الحقلية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، في العديد من البلدان، وتحديداً في شرق آسيا، شرق أوروبا، وأفريقيا. أما بالنسبة إلى لبنان، فإن المشروع قد دخل حيّز التنفيذ منذ عام 2004، بالتزامن مع تطبيقه في سوريا، فلسطين، الأردن، مصر، وإيران. وفي وقت لاحق، تبنّت دول جديدة كالجزائر والمغرب وتونس والعراق هذه المدرسة كمشروع إرشادي رسمي في وزارات الزراعة.
تُعَدّ المدارس الحقلية تجربة جديدة في نشر المعرفة الزراعية بين الفلاحين، حيث إنها تعتمد على الأسلوب التشاركي في تنفيذها، ليتحول المزارع من متلقٍّ للمعلومة إلى مشارك في نقلها وتطبيقها، إضافة إلى العديد من نقاط القوة الأخرى، كالتواصل المستمر بين المرشد والمزارع وبين مجموعة المزارعين أنفسهم. لكن في لبنان، يسرد المهندس الزراعي عماد نحّال، مدير دائرة المزروعات بالتكليف في وزارة الزراعة، بعض التحديات التي تواجه عمل المرشد في اعتماد هذه التقنية، حيث إن «الوزارة كانت في الفترة السابقة في حالة غياب شبه تام عن المزارع، ما وسّع الهوة بينه وبين المرشدين، وقرّب المسافة بينه وبين مهندسي شركات الأدوية الزراعية في المقابل، ما خلق جواً من التواصل والتأثير، صودر فيه رأي المزارع في اتخاذ القرار الأفضل لمزرعته، لحساب رأي المهندس الزراعي الذي يحثه في معظم الأحيان على استعمال المبيدات والتسميد من دون أن يكون بحاجة فعلية إلى استعمالها». إذاً، تتطلب إعادة الثقة بين المزارع والمهندسين في وزارة الزراعة وقتاً وجهداً إضافيين، وخصوصاً أن مفهوم المدرسة الحقلية يرتكز على مبدأ أن المزارع هو مدير مزرعته أو بستانه.
تقف بعض التحديات الأخرى، كقلة الانضباط والالتزام بالمواعيد، في وجه عدم نجاح العمل الجماعي، ما يتطلب من المرشد متابعة دائمة للمزارع. لكن هذه التحديات سرعان ما تغيب عندما يلمس المزارع نجاح المدرسة، والنتائج التي تمخّضت عنها التجربة، كما يؤكد نحال، إذ «أصبح ينضم إلى المدرسة مزارعون جدد بطلب منهم، فيما كان المرشد في السابق يقوم بجولات ميدانية لاستكشاف متطلبات أو مشاكل المناطق الزراعية».
ويُفضَّل أن يعمل كل مرشد في المنطقة التي ينتمي إليها، حيث يكون يعرف أهلها وتقاليدهم وعاداتهم، وبالتالي يخلق جواً من الصداقة معهم. وقد استتبعت ضرورة توفير جو الثقة والصداقة لنجاح التجربة تغيير اسمها في بعض الحالات ليصبح «تجمّع»، أو أي مصطلح آخر بعيداً عن تعبير «مدرسة» الذي نفر منه بعض المزارعين من كبار السن.
وتضم المدرسة الحقلية مجموعة من المزارعين من قرية واحدة أو من عدة قرى متجاورة. ومع توزيع مراكز الإرشاد في كل الأقضية اللبنانية، أصبح العمل على تطبيق هذا المفهوم أسهل، بحيث يمكن أن يتقدم المزارعون باقتراحات حول مشاكل زراعية يعانون منها، لمركز الإرشاد أو للوزارة، فيحدد بناءً عليها برنامج موسمي، ثم حقل تجارب يتيح للمزارع إماكن اختبار الاقتراحات الجديدة، وتقويم نتائجها.
وتختلف تقنيات هذه المدرسة من محصول لآخر، فمثلاً، تختلف التقنيات المستخدمة للخضار المحمية عن تلك المستخدمة للخضار المكشوفة. وقد تختلف التقنيات المستعملة للمنتج الزراعي ذاته من منطقة لأخرى، مثلاً تختلف مشاكل البطاطا في الشمال عن مشاكلها في الجنوب أو في البقاع.
ويؤكد مختصون في مجال الإرشاد الزراعي نجاح هذه التقنية في مقابل تقنيات الإرشاد التقليدية التي تعتمد على النظريات الجاهزة والتي تقدم عبر الكتب، أو عبر محاضرات سمعية وبصرية، فيما نسبة كبيرة من المزارعين لا يعرفون القراءة والكتابة، إضافة إلى عدم ثقتهم بالنظريات الجاهزة التي سرعان ما تختلف عند التطبيق في الحقل.