هذا العام، تفاوت الموسم بين شطري لبنان الجنوبي والشمالي، المشهورَين بزراعة الزيتون. ففيما بدأ مزارعو الجنوب قطافه منذ الشهر الماضي، لا يزال أهالي الشمال بانتظار «أول شتوة» حتى يبدأوا بجني محصولهم


مايا ياغي
اختلف تقويم موسم الزيتون هذا العام من منطقة إلى أخرى في لبنان، وبين المزارعين في المنطقة الواحدة.
عادةً، تمدّ سمية عليق، من بلدة يحمر الشقيف في الجنوب، مفرشاً بلاستيكياً تحت زيتوناتها لقطافها، لكنها اليوم تلملم الحبات عن التراب، لأنهم «مش محرزين، لكن هناك ما يعوّض، فالحبات، على قلّتها، كبيرة وخرج الرصّ». في بلدة القصيبة، يرى أمين قميحة أن موسمه كان مقبولاً، لكنه كان أحسن العام الفائت. فتقلّبات المناخ أثّرت كثيراً في الإنتاج والزيتون عطش كثيراً هذا العام. في كفرتبنيت، جهّز حسين عبدو جابر محصوله وأخذه الى معصرة الزيتون، إلا أن دوره لن يصل قبل يومين لشدة الازدحام. فـ «الناس كلهم استعجلوا القطاف، لأن معظم الحبات بدأت تسقط من شدة الحرارة وقلة المياه». يقدّر برو إنتاجه السنوي من الزيت بخمس عشرة «تنكة». ولكن، يبدو أنه لن يتجاوز التنكات الأربع هذا العام، رغم «أنني اعتنيت بها جيداً، فلاحة، تنقيب الأحجار والأعشاب اليابسة وتقليم، سماد طبيعي وكيماوي». كل ذلك لم يُجدِ نفعاً بسبب العطش الشديد الذي عانته المزروعات. «بزمان دهري ما شفت متل هيدا الطقس، السجرية ما زهزهت غير هاليومين لمن نزل المطر»، يقول.
يرجع المهندس الزراعي في مؤسسة جهاد البناء الإنمائية يوسف نور الدين تراجع موسم الزيتون هذا العام الى قلة الأمطار، ما أثّر في نسبة الزيت المتراجعة عن العام الفائت، حيث تقدّر حالياً بين 18 الى 25 كيلوغراماً زيتاً لكل مئة كيلوغرام زيتون. من جهته، يردّ الدكتور محمد بدران، مسؤول الدائرة الزراعية في المؤسسة، هذا التراجع في الإنتاج إلى قلّة العناية الكافية من جانب المزارع، الذي يتعامل مع الزيتون كشجرة حرجية، وإلى عدم صحة المقولة الشائعة إن الموسم يتفاوت من عام إلى عام، مؤكداً الدور الذي تؤدّيه التربة في كمية الزيت ونوعيته، وتحديداً في مناطق حاصبيا ومرجعيون، التي غالباً ما يكون إنتاجها جيداً.
شمالاً، في بلدات مثل راس مسقا، بكمرة، ودارميري، حتى زغرتا الزاوية والكورة، لم يبدأ المزارعون قطاف الزيتون بعد. ينتظرون تساقط الأمطار، فالموسم عندهم يفتح أبوابه عادةً في العشرين من تشرين الأول. وتشتهر منطقة الكورة بزيتونها المعمّر الذي يتجاوز عمره الأربعمئة سنة، كما تُعدّ من أكثر المناطق إنتاجاً للزيت وللصابون البلدي. لكن معالم المنطقة تتغيّر، إذ يؤكد رئيس بلدية راس مسقا، جرجس خازن القاري، التراجع الواضح في مساحات بلدته المزروعة زيتوناً، نتيجة الامتداد العمراني، وتحديداً توسّع مدينة طرابلس، ما أدى إلى اندثار الزراعة في ما يقارب الستين في المئة من تلك الأراضي، إضافةً إلى تراجع المزارعين عن زرع نصوب جديدة، فإمكانات المزارع الشمالي ضعيفة، وإنتاج الزيتون لا يغطي ثلاثين في المئة من مصاريفه: الفلاحة، واليد العاملة والسماد.
إضافةً إلى تلك العوامل، برز هذا العام طارئ صحي، إذ فتكت بعض الأمراض بزيتون الشمال، أبرزها «ذبانة» البحر المتوسط وعين الطاووس، ما استدعى رش أشجار الزيتون بمبيدات، وهذا ما يفوق قدرة المزارعين المادية. وفيما تكفّلت وزارة الزراعة بتكاليف الرش في الكورة، تُركَت زيتونات راس مسقا وبكمرة وبلدات أخرى لمصيرها، «ما زاد الموسم تراجعاً» كما يقول يوسف عبدو، أحد ملاكي بساتين الزيتون. وتُعرَف هذه البلدات بزيتونها العيروني والصوري، الذي يمتاز بجودة زيته، والذي لا يزال، رغم تراجعه خلال السنوات الأخيرة، يغطي حاجة السوق المحلي في الشمال. فبعدما كان أهالي بيروت يقصدون البلدات الشمالية لشراء الزيت، أصبحوا يشترونه من المحال التجارية التي تبيع أصنافاً عديدة مستوردة من تونس وسوريا، وأرخص من الزيت المحلي.
ورغم أن وجود المعاصر الحديثة سهّل عملية العصر، إلا أن كثيرين ما زالوا يفضلون الطريقة التقليدية، التي تبدأ «من قطافه يدوياً وليس بعصا تكسر أغصانه، ومن ثم عصره خلال فترة لا تزيد عن عشر ساعات» كما يقول الدكتور أنطوان الديري، المدير السابق لكلية العلوم في الجامعة اللبنانية في طرابلس.
وتؤدّي تقنيات العصر دوراً في الحفاظ على جودة الزيت، فالطريقة التقليدية هي الفضلى، حيث يوضع معجون الزيتون في «خوص» ليصفّى الزيت من الزيبار من خلال عملية كبس يخضع لها، بينما تتلخّص الطريقة الحديثة بغسل هذا العجين الناتج من طحن الزيتون، وتجري طرداً محورياً بواسطة مياه ساخنة بحرارة تسعين درجة، ليفصل الجامد عن السائل، وبعدها تكرر العملية ليفصل الزيت عن المياه السوداء، «ما يسبب تغيراً في تركيبة الزيت ونسبة حموضته» كما يؤكد الديري.