أثبتت الانتفاضات الشعبية العربية قدرة الجماهير على تغيير رموز أنظمتها القائمة. لكن يبقى سؤال صعب: هل نحن قادرون على تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي، وتحسين سبل عيش الطبقات المستغلّة والمسحوقة، وتحقيق العدالة الاجتماعية التي نادى بها الثوار العرب؟ المؤشرات الحالية ليست مشجعة ولا تدعو إلى الكثير من التفاؤل. تقول معلومات الصحف ومحطات التلفزة إن الشعور العام في الشارع التونسي يظهر أنه لم يحدث أي تغيير في الريف الذي اندلعت منه الثورة، علماً أن القطاع الزراعي لا زال يساهم بأكثر من ١٢ في المئة من الناتج الوطني ويجذب الاستثمارات الخارجية. وتشير الاحصائيات إلى زيادة الصادرات الزراعية بنسبة ١٠ في المئة بعد الثورة. إلا أن جميع هذه الانجازات لم تترجم بتحسين معيشة صغار المنتجين والعمال الزراعيين، ولم تغير واقع البطالة المتفشية في الأرياف. وتكمن المشكلة في النمط الاقتصادي الذي تتبعه البلدان العربية، والذي لم تغيره الثورات رغم خلعها الوجوه النائمة في البرلمانات. يرتكز هذا النمط على النمو الاقتصادي المبني على أقصى حدود الاستغلال للبشر والموارد الطبيعية وتركيز الثروات في أيدي طبقة صغيرة من أهل المال تدير السياسة الوطنية من خلال نفوذها، وتسن القوانين لحماية ممتلكاتها.

ولن تستطع أي انتفاضة أو ثورة أو ربيع أو خريف تغيير هذا الواقع ما لم تواجه هذه المنظومة التي تبني ثروتها على استغلال الضعفاء. لكن تبقى بعض المؤشرات الايجابية التي تدعو إلى التفاؤل الحذر؛ في مصر، انطلقت أخيراً حركة شعبية من الريف، حيث يعيش ١٨ مليون فلاح، بهدف ادراج حقوق الفلاحين بالأرض والماء و العيش الكريم في الدستور الجديد. تجربة رائدة في وطننا العربي الذي يفتقر إلى العمل الاجتماعي الشعبي الهادف.