فادي بردويل *

سقطت الجمهورية ــــ الضيعة الرحبانية في نيسان ١٩٧٥. سال كثير من الحبر بعد الحدث أو «الأحداث» بلغة تلك الأيام حول «الوهم» الذي شيّده الأخوان لبنة لبنة منذ خمسينيات القرن الماضي، وطاف به صوت فيروز في أرجاء الجمهورية، مخترقاً بالتزامن مع مشاريع التنمية الشهابية، المناطق والفوارق الإنترا ــــ لبنانية.
وقيل الكثير عن دور الرحباني الابن في الانقضاض على «الخرافة اللبنانية» ــــ مشروع الرحابنة وعمليات قتل الأب الرمزية من خلال عمله مع فيروز، وكلّ ذلك بالتزامن مع تقطّع أوصال الجمهورية إلى كانتونات طائفية برعايات خارجية.
شهد الأسبوعان الحالي والماضي إقبالاً شديداً من المواطنين اللبنانيين لشراء بطاقات «منيحة...!»، العمل الموسيقي ــــ المسرحي الجديد لزياد الرحباني، مما دفع إلى زيادة أربع حفلات إضافية إلى الثلاث الأساسية. ما دلالات الإقبال على «منيحة...!» الآن؟


سقطت الجمهورية الرحبانية الأولى في 1975 وقيام الجمهورية اللبنانية وقف على سقوط الجمهورية الرحبانية الثانية
لقد حفرت كلمات الرحباني وألحانه عميقاً في الوجدان اللبناني. بلورت وعي أكثر من جيل من اللبنانيين اكتشفوا لبنانهم، لبنان ما بعد ١٩٧٥، في تلعثم ألسنة «رشيد» الكثيرة. وما زالوا يكتشفون. طوى عام ١٩٧٥ لبنان الرحابنة، بينما، إن يشهد عام ٢٠٠٩ على شيء، فعلى حيويّة لبنان الوارث الرحباني وتجدده: «إدوار» ولّد إدوارات و«محمودات» انشقّت على نفسها. لم يُطوَ الظرف التاريخي الذي بنى في سياقه زياد الرحباني مشروعه. لم تلملم الجمهورية المتقطّعة أطرافها.
قد ينقسم اللبنانيون حول بعض مقالات الرحباني ذات المضمون السياسي الآني في دعم «الحركة الوطنية اللبنانية» ضدّ «الجبهة اللبنانية» في المراحل الأولى من الحرب أو في سجالاته ضدّ فريق الرابع عشر من آذار في السنوات الأخيرة، لكن مشروعيته تأتي من مكان آخر، من قدرة أعماله الفنيّة على جمع أواصر اللبنانيين على أساس أنّهم أصلاً منقسمون. إذا تمّت المعادلة الرحبانيّة على توحيد الضيعة مقابل الغريب الذي سرق الجرّة، فقطيعة الابن مع الأهل كانت في إبراز هويّة الغريب الذي ليس بغريب البتة. كما أن الرحباني لم يغنَِّ كمعظم الملتزمين سياسياً «إضرب عدّوك بالحجر» مفترضاً وجود شعب موحّد المصالح (وإن اقتصر «الشعب» على فئة من اللبنانيين) ضد عدوّ خارجي، بل «يا زمان الطائفية... طائفييّ وطائفيك»، مبرزاًً الأمراض المزمنة الداخلية التي تنهش جسم «أهل الضيعة»: الأشقّاء ــــ الأعداء. فلا الغريب غريب فعلاً ولا الشعب شعب. وهنا نقطة التواصل مع الرحابنة، إذ لم يحل التزام الرحباني السياسي بينه وبين اجتراح مشروع يشترك فيه كلّ اللبنانيين «مش عالغريب / العدوّ» هذه المرّة، لكن على قاعدة الإقرار بانقساماتهم.
* باحث لبناني