هيفاء زنكنة

وقد وقّعت إدارة أوباما عقداً جديداً بقيمة 22 مليون دولار مع شركة بلاك ووتر للتزويد بالمرتزقة، على اختلاف خدماتهم وجنسياتهم، ودفعت لها مبلغ 70 مليون دولار في شهر شباط وحده، حسب الصحافي المستقل والباحث بشأن شركات المرتزقة، جيريمي سكاهيل، بعدما غيّرت الشركة اسمها إلى «أكس أي». وهو عقد يضاف إلى العقود السابقة التي تربط الشركة بوزارة الدفاع، البنتاغون. وكان من المفترض أن تنهي إدارة أوباما عقود التعاقد مع بلاك ووتر بعدما ثبتت مسؤولية أربعة من منتسبيها عن جريمة قتل 17 مدنياً عراقياً في عام 2007 . غير أن اتجاه ريح «التغيير» الأوبامي الموعود، يدل بوضوح تام، على أن «فايروس» الجشع الإمبريالي مستشر، في قلب الإدارة الأميركية، ولا أمل في أن يتمكن طبيب واحد، على افتراض مهارته وحسن نيته، من علاجه.
وتشير الدلائل إلى أن «سحب» القوات الأميركية لا يعني فقط تلاعب الرئيس أوباما وقادة البنتاغون اللفظي بالمفردات، ومعظمهم غير راض عن فكرة الانسحاب أساساً، بل وتؤكد وجود سيناريوهات عدة، أكثرها خطورة هو المتعلق باستمرار عمل بلاك ووتر أو أكس أي وغيرهما من شركات المرتزقة في العراق المحتل وزيادة أعدادها وتوسيع مهماتها، لتحلّ محل جيش (أو جيوش) الاحتلال التي تنوي إدارة أوباما تصديرها إلى أفغانستان بدعم من حلف الناتو. مما يعني أننا، على افتراض تنفيد انسحاب عدد من الفرق العسكرية من العراق، بسبب الحاجة الماسة إليها في أفغانستان، سنواجه، في العراق، جيشاً بديلاً من المرتزقة يختلف في طبيعة مهماته وتركيبته عن المرتزقة العاملين في العراق منذ عام 2003 حتى الآن.
ففي الوقت الذي استخدمت فيه إدارة بوش 200 ألف من المرتزقة، لحماية موظفي الاحتلال والمسؤولين وضباط الاستخبارات والإمدادات العسكرية والغذائية، فضلاً عن حماية سياسيي الاحتلال العراقيين، فإن مهماتها تحت إدارة أوباما ستتغير نوعياً لتشابه عملها في العديد من الدول الأفريقية، أي أنها ستشارك مباشرة في مهمات القتال وحماية القواعد العسكرية التي يزيد عددها على الخمسين، فضلاً عن السفارة الأميركية بآلاف موظفيها ومخابراتها و«مستشاريها». من هنا لم تعد تسمية المتعاقدين الأمنيين، غير سفسطة لإشغال الناس في المرحلة الاستعمارية المتميزة بخصخصة الحروب والجيوش وتطوير صناعة الحرب لتصبح أكثر ربحاً من العديد من الصناعات المحلية والوطنية. فلا أحد ينكر، أن تأليف حكومة الأحزاب الطائفية والعرقية بميليشياتها، هي الأسرع في تكوين الثروات للمنتمين إليها.
وميزات جيش المرتزقة على جيش الاحتلال النظامي عديدة. فأفراده يتمتعون، حسب القرار الأميركي الرقم 17 عام ، بالحصانة وعدم الخضوع للادعاء والمحاكمة في بلادهم، وفي العراق. ولا يُعلن عن قتلهم عندما تتخلص منهم المقاومة العراقية، مما يخفض خسارة جيش الاحتلال ويقلل من فاعلية المقاومة إعلامياً. غير أن تكلفة المرتزقة المادية والمخصصات التي تزيد، عادة، على أجور الجنود النظاميين، كانت عائقاً، تمكنت شركات المرتزقة من تجاوزه في الأعوام الأخيرة. ففي السابق كان دور شركات المرتزقة الأميركية والبريطانية يقتصر على الاتصال وتوظيف المرتزقة، وهم غالباً من العسكريين السابقين أو من القوات الخاصة البريطانية والأميركية أو الأوروبية أو من جنوب أفريقيا. غير أن شركات المرتزقة، وأهمها شركة أيجيز البريطانية، ولتزايد الطلب وقلة العرض، في أفغانستان والعراق خاصة، ولبروز الأصوات الداعية إلى تحجيم عملها قانونياً، شرعت بإنشاء معسكرات تدريب في بلدان أخرى مثل أفريقيا وتشيلي، وبيرو والفيليبين، تهرباً من مسؤولياتها في المستقبل، لتدريب الفقراء وتأهيلهم كمرتزقة يقاتلون بأرخص الأسعار. ففي الوقت الذي يتقاضى فيه المرتزق الأميركي أو البريطاني حوالى 15 ألف دولار شهرياً، يتلقى مرتزقة الكونغو وتشيلي والفيليبين ألف دولار شهرياً. الأمر الذي سيقلل من نقمة دافع الضرائب الأميركي على سياسة حكومته المكلفة في العراق، بل سيشجعه، كما كانت الحال قبل الغزو وتراكم الخسائر، على اعتبار العراق سوقاً للربح المستقبلي، وخاصة أن الحكومة المحلية سعيدة بما يكفل لها البقاء من حماية وما تنهبه بدورها.
إن محاولات بعض الدول لتنشيط عمل الأمم المتحدة، بمواجهة الهيمنة الأميركية، يشير إلى مستقبل قد يحمل بعض الأمل. إذ أشار تقرير فريق العمل المعني باستخدام المرتزقة وسيلةً لانتهاك حقوق الإنسان وإعاقة حق الشعوب في تقرير المصير ، في 13 شباط 2009، أثناء انعقاد مجلس حقوق الإنسان في جنيف، إلى أن الربح الصافي لصناعة تدريب المرتزقة واستئجارهم يتجاوز المليار دولار سنوياً. وكان فريق العمل، قد دعا في تقريره لعام 2007، إلى أن توقع الدول «اتفاقية الأمم المتحدة الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم» والامتناع عن التعاقد مع أولئك الأشخاص بوصفهم «متعاقدين مستقلين» أو «حراس أمن»، وأشار إلى تدريب بعضهم في الأردن أو العراق أو الولايات المتحدة الأميركية. وحذر التقرير الأخير من أن التوقيع على الاتفاقية لم يعد كافياً، بل بات ملحاً تشريع قوانين دولية ووطنية لغرض حماية حقوق الإنسان وصيانة سيادة الدولة من التدخلات الخارجية من خلال استخدام المرتزقة. غير أن هذا مشروع قد يتطلب إن جرى تبنيه سنوات عدة، وليس هناك ما يدل على أنه سيكون أداة ردع سريعة لنشاطات الإدارة الأميركية أو بريطانيا.
مما يعني، عملياً، عدم وجود أي عائق مالي أو قانوني أو أخلاقي، حالياً، يمنع إدارة أوباما من استبدال الفرق العسكرية الأميركية، بجيش من مرتزقة الدول الفقيرة، ومعظمهم من ذوي البشرة السوداء المماثلة لبشرة الرئيس الأميركي. فهل تمثّل ظاهرة التوظيف هذه ترجمة لاستبشار العالم، وخاصة في أفريقيا، بانتخابه؟ وتبقى قوة الردع الحقيقية هي عدم استسلام الشعوب أو قبولها ببراغماتية الأمر الواقع، إذ إن مقاومة الشعوب، والعراق أفضل مثال، هي اللغة الأنقى للمحافظة على السيادة وحقوق الإنسان والعدالة ضد منطق الهيمنة الاستعمارية بأشكالها.

* كاتبة عراقيّة