نسيم الخوري *

تبدو الانتخابات البرلمانية المقبلة موشّحة بالدم، لا يُنتظر منها تغيير كبير هذا إن حصلت، ويضيع اللبنانيون بين الحقائق والأوهام والمخاوف. لماذا الدوران؟ هذا هو واقع الحال المستور في لبنان، تعززه يقظة الكلام عن تجدد الاغتيالات، باشر الحديث عنها الدكتور سمير جعجع، ونسيها المواطنون، وأشار إليها سليمان فرنجية مجدداً كأنه قائلها الأوحد، ثم أشعلها أمين الجميل بمشاريع الفدرالية في الألسنة والأذهان، ليكملها سعد الحريري من القاهرة بحتمية الانتخابات مهما حدث، مذكّراً بالانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت على إيقاعات دم والده الرئيس رفيق الحريري. تلك مسائل كثيراً ما تصورنا أن ثمن الحروب القاسية بين اللبنانيين قد اجتثّتها نهائياً من فكرنا. هل هي الحمّى الانتخابية؟ تصوّروا ماذا يمكن أن نسمع في لبنان: لماذا لا نصل إلى قانون للانتخابات البرلمانية يسمح للمسيحيين بانتخاب نوّابهم المسيحيين حصراً، كما يسمح للمسلمين بانتخاب نوابهم المسلمين؟ ولماذا لا يختار الشيعة وحدهم رئيس مجلس النواب، أو يختار المسيحيون رئيس الجمهورية ويختار أهل السنة رئيس مجلس الوزراء؟
أسئلة فجّة ومتفرعاتها المخيفة الكثيرة يرصدها المرء سرّاً وجهراً في أنحاء لبنان ولا أحد أفضل من غيره. ويبدو الوطن متثاقل الخطى بالمعنى السياسي والاقتصادي والاجتماعي كأنه دويلة فدرالية تحضن مرجعيات مذهبية يعصف فيها الفراغ، كما يعصف بها الشلل الكبير على أكثر من مستوى وفي أكثر من مجال وبرنامج ومجلس وتعيين ومطالبة!
مقابل هذه الأسئلة ومع دوران الماكينات الانتخابية وهديرها، نطرح أسئلةً أخرى مناقضة: هل يمكننا أن نرى يوماً، مثلاً، في لبنان، الحاج محمد فنيش مثلاً أو محمد رعد أو علي خريس أو نواف الموسوي مرشّحين للانتخابات النيابية أو نوّاباً عن جونية أو صربا أو الأشرفية أو كسروان وهي مسيحية قح؟
أو هل يمكننا تصور منصور البون أو سمير فرنجية أو فارس بويز مرشحين عن الطريق الجديدة وشارع حمد وصبرا أو عائشة بكّار وحي الوتوات وتوابعها؟ هل يمكننا أن نرى عمار حوري أو طلال ارسلان مرشحين عن دائرة في فرن الشباك أو عين الرمانة أو ذوق مكايل؟
وبمعنى أوضح، هل يمكن أن يكون الترشح للبرلمان خاضعاً لقاعدة جديدة بأن يكون المرشح حكماً من طائفة غير طائفة ناخبيه؟
طبعاً، لسنا بحاجة إلى التفكير مليّاً في الإجابات عن أسئلة جنونية أو حالمة أو وقحة من هذا النوع الذي يصدم مجمل اللبنانيين المجبولين بالمذهبية القاتلة، التي تجعلهم يشعرون حيال هذه الأسئلة، كأن الكرة الأرضية قد غيّرت مدارها في الفضاء. وعلى أية حال هي ليست أسئلتي الخاصة بقدر ما هي أسئلة صديق مهاجر لبناني شمالي مقيم في سويسرا منذ أكثر من ربع قرن، ولا يتنصّل حبري من قناعتي بها، ومن قوّتها وإلّا لما كانت قد ولدت فوق الورق. وإنني إذ ألجأ إلى هذه الأسماء الكريمة، فإنني لا أقصد بها أحفاد أحفاد بعض سياسيينا، بل أقصد سياسيينا الذين يملأون زمننا على سبيل المثال لا الحصر. تلك لوائح قد تطول وتساعدنا على إعادة القراءة المركزة لواقع بلدنا الذي لا يتجاوز في مساحته جزيرة بالكاد ترى على خرائط الدول والشعوب أو حيّاً من أحياء نيويورك لا يتجاوز ناخبوه في أعداد مقترعيهم أو نسبتها أعداد الموظفين والمستشارين في الشركة العابرة للقارات التي يعمل فيها هذا الصديق اللبناني السويسري الذي فرضت عليه ظروف عمله الراقي التنقل الدائم في أرجاء الدنيا. كان قد طلب منّي أن أبعث بأسئلته ومقترحاته وأفكاره في هذا الشأن الانتخابي الى أعضاء الهيئة الوطنية الاثني عشر المولجة وضع قانون انتخابي جديد، لكنني لم أفعل وفضّلت الدفع بفكرته الجريئة البسيطة إلى الورق، فقط لأتمكن من رفع المرآة في وجه المواطنين لتبيان صورة المجتمع اللبناني المتشظّي بالأفكار والمشاعر والاصطفافات المذهبية والطائفية، التي تسحق في المهد أية فكرة أو قضية وطنية تطرح للنقاش والتأمل وحتى للتفكير!
وإذا كنا لا نستطيع أو بات مستحيلاً علينا إعادة خلط الجغرافيا المتشظّية بسبب الحروب الكثيرة التي أورثت لبنان تهجيرات وهجرات وتحولات ديموغرافية هائلة أو إذا كنا عاجزين عن إعادة تقسيم دوائرنا بما يرضي مسألة التوازن الفارغة التي كانت دوماً طائفية ومصالحية، فإننا نستطيع إعادة خلط اللبنانيين عن طريق العملية الانتخابية التي تفرض على المرشح الانتماء إلى طائفة مغايرة لطائفة ناخبيه أو لأكثريتهم الطائفية، فيأتي التغيير من فوق بدلاً من أن يبقى من تحت!
وإذا كان الناخب في تاريخ لبنان البرلماني أي السياسي، لا يحاسب النائب بالمعنى الوطني بل «بحظوة» انتمائهما إلى طائفة واحدة كما بالمستوى المرتبط مباشرة بالخدمات الشخصية التي يكون النائب قد أسداها أو حاول تحقيقها لناخبيه وكأنه معقّب معاملات لأبناء طائفته، فإن لبنان ما زال بعيداً كلّ البعد عن التمثيل البرلماني الصحيح، ويتجذّر أكثر فأكثر في التمثيل الطائفي لا الوطني الصحيح الصافي، أي إنه يتجذر في القبيلة أو يحنّ إليها في الممارسات السياسية والتصريحات اليومية.
ومن الطبيعي أن يكون النائب طامحاً إلى مقعد حكومي وعاجزاً عن محاسبة الحكومة أية حكومة في لبنان، وهكذا يبدو الكلام عن فصل السلطات وتوازنها وتعاونها كلاماً إنشائياً مستورداًً يستحيل أن يستقيم في بلد مثل لبنان وهو بدلاً من أن يأخذ مضامينه الديموقراطية يروح يحفر الخنادق في ما بين أهل الطوائف وحتى المذاهب. قطعاً يفترض أن نسلخ من عاداتنا السياسية الجمع بين النيابة والوزارة. هكذا يبدو أي تغيير مستحيلاً في لبنان، وأي كلام في الإصلاح يغدو عقيماً خارج الإصلاح الجذري لقانون التمثيل البرلماني مع تجاوز كامل للاعتبارات والممارسات الطائفية التي ستبقينا وطناً يتقهقر إلى الوراء خلافاً للأوطان كلها.
ماذا تعني هذه الفكرة الانتخابية بكلمتين؟
تعني قلب المعادلة أي الاعتراف بشرعية الانتماء الطائفي واحتواء التعصب المذهبي، وليكن الاقتراع على أساس طائفي كما الترشيح، ولتتعزّز المقولة المشكو منها إلى جسر نعبر به نحو الاندماج، فيصبح الفوز مرتبطاً أكثر بأصوات من ينتمون إلى طوائف غير الطوائف التي ينتمي إليها المرشحون.
وتعني بالتالي إخراج لبنان من المستنقع الطائفي إلى المناطقية. ربّما تتعزز المناطقية على حساب الطائفية والمذهبية ولا بأس، وينتخب اللبنانيون المسلمون النواب المسيحيين وينتخب الناخبون المسيحيون النواب المسلمين مع مراعاة نسب تمثيل الطوائف الكثيرة ومدى توزيعها في داخل شريحتي المسلمين والمسيحيين، وليقسّم لبنان بعد ذلك إلى مئة وثمانٍ وعشرين دائرة انتخابية أو أقل أو أكثر فهو تقسيم لا يخيف ولا يدمّر. ومن الممكن أن نلجأ إلى هذه الفكرة بهدوء لا جرعة واحدة فنخفّف من غلواء المذهبية إلى أن نتمكن منها على مختلف المستويات التربوية والاجتماعية مما يعزز المواطنة والجغرافيا وهو ما يدفعنا إلى أن نقرع باب الرفق بالآخر واحترامه وتقدمه ونهضته وربّما نؤسس بهذا لقانون انتخاب يستجيب لتطور المجتمع ويوفّر التمثيل الديموقراطي الصحيح.
وتعني أخيراً ضرورة الشجاعة في اعتماد النسبية في قوانيننا الانتخابية، إذ لا يجوز أن تستمر انتخاباتنا البرلمانية منذ 26 نيسان 1960 بقانون انتخابي خرج يومها من جروحنا الطائفية التي أورثتها ثورة عام 1958 الطائفية، وجرى تعديله بموجب قوانين لتسع مرّات، وبقيت القاعدة فيها كلّها توزيع المقاعد النيابية على الطوائف التي أرستها أحكام المتصرفية المثقلة بالطائفية عام 1860 وأصر عليها الانتداب الفرنسي، وبقيت لازمة التمثيل النيابي تمثيلاً طائفياً حتى يومنا هذا.
هل يحلم صديقي أم يهذي؟ لا ينبثق التغيير الذي يطمح إليه الرئيس ميشال سليمان ومجمل المواطنين سوى من زاوية تقلب الواقع والوقائع.
* أستاذ جامعي