جورج قرم *

إنَّ نتيجة الجولة الأولى من الحوار الوطني لم تؤدِّ فعلاً إلى تصوُّر مشترك لقضايا الوطن الرئيسية التي لم يتفق عليها اللبنانيون منذ نشأة الكيان اللبناني في القرن التاسع عشر. والأسباب لهذه النتيجة المخيِّبة للآمال عديدة، وقد يكون أهمُّها تأثُّر الحوار إلى أبعد الحدود بالظروف الإقليمية والدولية الآنية من دون أية نظرة معمَّقة إلى القضايا البنيوية في سياقها التاريخي الصحيح. وكأنَّ المطروح كان فقط إيجاد وصفة سحرية وقصيرة المدى للخروج من المأزق الإقليمي الحالي. هذا بالإضافة إلى الضبابية في اختيار القوى السياسية الفاعلة المشتركة في الحوار.
لذا نأمل أن تأتي الجولة الجديدة من الحوار تحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية بنتائج أفضل مما سبق، وتؤسِّس بالفعل لجمهورية جديدة يرتاح إليها كل اللبنانيين بأهوائهم وانتماءاتهم المختلفة. ويتطلّب ذلك أن تؤخذ في عين الاعتبار أيضاً أهمية وثيقة التفاهم التي وُقّعت بين التيار الوطني الحر وحزب الله، لما تحتويه من تطلّعات جديدة للتغلّب على التناقضات، ووثيقة ثوابت الكنيسة المارونية التي اعتُمِدَت في كانون الأوّل 2006، وكذلك الأوراق التي اعتُمِدَت في المجمع الماروني عام 2004، ووثيقة الثوابت المسيحية التي صدرت إثر المشاورات المسيحية التي أجراها العماد ميشال عون بتاريخ 25 تشرين الثاني 2007، وكذلك وثيقة التفاهم بين حزب الله وأحد فروع التيار السلفي في الشمال التي سُحبت من التداول إثر ضغوطات قوية؛ وأخيراً لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار نص رسالة الحبر الأعظم بشأن لبنان «رجاء جديد للبنان»، وهو نص رائع تقبّله المسلمون بحفاوة لما يتضمنه من تصوّر إنساني بنّاء للتفاعل الإسلامي المسيحي في لبنان. فهذه كلّها وثائق تساعد على تطوير نظرة كيانية مكتملة ومعمّقة إلى لبنان بروحية الميثاق الوطني لبناء وطن نهائي لكل اللبنانيين.
ولا بدّ أيضاً لإنجاح الحوار من أن يُصار إلى ترتيب القضايا التي ستناقش بتراتبية متناسقة وتسلسل منطقي، لأنّ جميع القضايا المطروحة على الساحة اللبنانية متشابكة، ولأنّ حل قضية معيّنة من القضايا يتطلّب إيجاد حل لقضية أخرى مسبقة. لذا لا يمكن طرح القضايا بطريقة عشوائية، بل حسب ترابط وأولويات منطقية. وفي هذا المضمار، يمكن أن نشير إلى وجود قضيتيْن رئيسيتيْن تتفرّع منهما القضايا الأخرى وهما: وضع لبنان في الصراعات الإقليمية، ومنها خاصة الصراعات العربية ـــ العربية وضرورة حظر زج الهويات المذهبية الإسلامية المختلفة وتوظيفها في الساحة الإقليمية، كما أصبح متداولاً بشكل مؤسف وخطير في السنين الأخيرة. والقضية الثانية هي سوء أداء النظام الاقتصادي اللبناني الذي يولِّد باستمرار مزيداً من المديونية العامة ونقصاً صارخاً في موارد الدولة المكرّسة للدفاع والحمايات الاجتماعية، وهو أيضاً أداء منحرف تنتج منه هجرة الكفاءات وحالة بطالة متفشِّية، وزيادة الفقر والتهميش في مناطق عديدة في لبنان.
وهذه الحالة هي التي تؤبِّد هذا النظام السياسي الطائفي الشرس الذي نشكو منه. إنّ الوضع الاقتصادي المقيّد والأداء التنموي المتدنّي يخلقان التربة الخصبة لتنامي تيارات وعقائد، إمّا عبثية الطابع يمكن أن تولِّد العنف المسلّح، أو تيارات ترتبط بشبكات سياسية إيديولوجية الطابع لا تعترف بالكيان اللبناني لأنّ هذا الكيان لم يؤمّن الرفاه والعدالة لجميع أبنائه. ومن هنا نرى أيضاً ترابط هاتيْن القضيتيْن الأساسيتيْن، كل واحدة بالأخرى، للوصول إلى استقرار الكيان وتأمين سيادته وتجنّب تكرار الفتن بين أبنائه.
في ما خصّ قضية تحديد السياسة الدفاعية التي تقضّ مضاجع الجميع، فإنّ حلّها مرتبط إلى حدٍّ بعيد بحل القضيتيْن الرئيسيتيْن المذكورتيْن، أي أولاً تحديد السياسة الخارجية اللبنانية، وبالتالي الاتفاق بين اللبنانيين على أهم مصادر الخطر الخارجي ودرجة خطورة كل واحد منها، وثانياً التأكد من توافر الموارد المالية للدولة اللبنانية لتأمين ما يقتضيه قيام أي نظام دفاعي فعّال من تجهيزات وأسلحة مكلفة. وهذا ما يشير جلياً إلى ارتباط قضية النظام الدفاعي ليس فقط بالاتفاق على رؤية واضحة للسياسة الخارجية اللبنانية، بل أيضاً الاتفاق على نموذج تنموي بديل للنموذج المشوَّه والقليل الأداء الذي نمشي عليه حالياً والذي في ظلّه لا يمكن إقامة نظام دفاعي مموَّل من الدولة اللبنانية.
وفي سياق الترابط بين القضايا جميعاً، فلنذكِّر بأنّه عندما أرادت الحكومة اللبنانية أن تنفّذ مشروع جونستون الشهير بالنسبة إلى تقاسم المياه الإقليمية بين سوريا وإسرائيل والأردن ولبنان سنة 1955، ضرب الجيش الإسرائيلي المنشآت المائية اللبنانية بالطيران، ولم تحرِّك الولايات المتحدة الصديقة للبنان، كما تدّعي، ساكناً، بالرغم من أنّ جونستون كان موفدها إلى المنطقة لحل قضية المياه الشائكة. كما لا بدّ من أن نتذكر أنّ «الصديق» الأميركي هو أيضاً الذي طلب من لبنان في أحلك الظروف أن يدفع نقداً عام 1983 مبلغ مليار دولار ثمن شراء أسلحة للجيش اللبناني لم نلمس فعاليتها بتاتاً إلّا من ناحية تدهوُر وضع الليرة اللبنانية بعد خفض مستوى المخزون من العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان، ومن ناحية سقوط عدد كبير من الضحايا الأبرياء من المواطنين اللبنانيين القاطنين في الضاحية الجنوبية من العاصمة الذين تعرّضوا لقصف وحشي من الجيش اللبناني حينذاك.
لذا يجب أن تعتمد السياسة الخارجية على تحديد دقيق وموضوعي لنوعية الأخطار التي تهدد لبنان، بعيداً عن العواطف الجارحة اللاعقلانية، وعلى أساس استيعاب دروس التاريخ اللبناني وعبَره منذ 1840، وفي إطار النظر إلى وضع لبنان الاستراتيجي في المنطقة العربية التي لا تزال تتعرّض منذ غزو «نابليون بونابرت» مصر عام 1798 إلى مشاريع الهيمنة الغربية. هذا بالإضافة إلى طبيعة الكيان الصهيوني المبني على هيمنة يهودية حصرية وشمولية على سائر الطوائف، ممّا يناقض جوهر الوجود اللبناني المولود في كنف التعددية والعامل على تأسيسها وتجذيرها منذ الاستقلال ولو بطريقة الخطأ والصواب وعدم الوصول إلى الاستقرار المتين.
وفي هذا المضمار، لا بدّ من أن نأخذ بعيْن الاعتبار أنّ الدول الغربية «الصديقة» للبنان لم تحرّك ساكناً يوماً للدفاع عن بلدنا إثر الهجمات العسكرية الإسرائيلية الدموية والمتواصلة والاحتلالات وخرق السيادة اللبنانية جواً وبحراً وبراً (إلا موقف الجنرال ديغول عام 1968)، ذلك أنّ جميعها أسيرة الموالاة للصهيونية وإنجاز مشاريعها الاستيطانية التوسعية.
أمّا القضية الثانية الرئيسية، فهي تتعلّق بضرورة تحوُّل الاقتصاد اللبناني من اقتصاد ريْعي ومقيّد الطابع إلى اقتصاد منتج عالي الأداء، يؤمّن مستوى الموارد المطلوبة لتأمين الحاجات الدفاعية والحمايات الاجتماعية، وذلك بدلاً من الاعتماد على الهبات والقروض وتحويلات المغتربين والريْع العقاري والمالي.
والاعتماد الحصري على مصادر ريْعية في السياسة الاقتصادية، يؤدّي إلى إهمال تطوير القدرات الإنتاجية، بلْ يهدرها ولا يستغلّها. لذا يتوجّب على لبنان وبأقصى سرعة الانتقال من هذا النظام الريْعي الطابع المقيّد للطاقات والقدرات إلى نظام إنتاجي متكامل ومتقدِّم يستنفر جميع القدرات والميزات التفاضلية للبلاد وهي كثيرة. ونذكر منها هنا خاصة المياه والتربة الخصبة والتعدد البيولوجي وكثرة القدرات البشرية العالية الكفاءة وإتقانها اللغات الأجنبية الرئيسية.
فقط عبر مثل هذا التحوّل ستتمكن الدولة من القضاء على أزمة المديونية الخانقة وعلى حالات الفقر والتهميش واحتكار الثروات في أيادٍ قليلة، لتتوافر لديها الإيرادات الكافية لتمويل أعباء نظام دفاعي فعّال تُحدَّد سماته بحسب نوعية الأخطار الخارجية التي يواجهها لبنان، سواءً من العدو الرئيسي الكياني الذي هو إسرائيل، أو ممَّن يدّعي صداقة لبنان ومحبته.
كما أن القضية الاقتصادية ـــ الاجتماعية تستحق كل العناية، لأنّ نموذج الاقتصاد اللبناني أصبح مشوَّهاً إلى أبعد الحدود، ويعتمد كلياً على التحويلات من الخارج والمساعدات والهبات وعلى جذب الودائع للنظام المصرفي بفوائد أعلى بكثير من الفوائد العالمية، ممّا يكوِّن عبئاً كبيراً إضافياً على القطاع الخاص وعلى القطاع العام. والمدخل الصحيح والوحيد إلى إيجاد الموارد المالية اللازمة لبناء نظام دفاعي فعَّال ومستقل، وكذلك أيضاً المدخل الصحيح إلى تخطّي بشاعة النظام السياسي الذي تدهور إلى المحاصصة الطائفية الشرسة الطابع بين عدد قليل من الزعماء يستغلّون حالات الفقر والتهميش وعجز الدولة عن القيام بواجبها الدفاعي والاقتصادي والاجتماعي، هو مدخل يتطلّب وضع تصوّر متماسك لانتقال لبنان من أداء اقتصادي مقيّد وساكن وريْعي الطابع إلى حالة استنفار إنتاجي باستغلال جميع القدرات اللبنانية.
ربّما سيجد المساهمون في الحوار الوطني أنّ مثل هذه المقاربة للحوار الوطني تعقّد الأمور. والحقيقة أنّ تبسيطها قد يؤدّي إلى مزيد من التأزّم والمجابهة بين القوى المختلفة على الساحة اللبنانية. ولا حاجة هنا إلى مزيد من المقترحات لأنّها كثيرة ومتعدّدة، سواء بالنسبة إلى النظام الانتخابي والديموقراطية التوافقية والإصلاحات الدستورية المطلوبة، كما وصفها بشكل دقيق الرئيس حسين الحسيني في خطاب الاستقالة التي قدّمها من عضوية المجلس النيابي، وهو خطاب جريء يحتوي على عِبَر عديدة، وكذلك مشروع إصلاح النظام الانتخابي الذي وضعتْه اللجنة برئاسة فؤاد بطرس.
وهناك أيضاً الحكمة اللبنانية الميثاقية التي طُوّرت خلال عهد الجنرال فؤاد شهاب، ومن ثم من خلال اتفاق الطائف. والتكرار هنا لا يفيد، إذ قدّم العديد من اللبنانيين الاقتراحات والمعالجات. فالقضية ليست النقص في الطروحات الإصلاحية والأفكار العملية، بل هي قضية النقص في الإرادة السياسية المشتركة والغياب شبه الكامل للوعي الاقتصادي والتنموي، بالإضافة إلى المشاريع المتناقضة التي يحملها كل طرف سياسي على حدة، وموقف العديد من الفعاليات السياسية والاقتصادية والأكاديمية التي لا ترى عيباً في الأداء الاقتصادي اللبناني، بل تفتخر بقدرة لبنان على العيش على مصادر ريْع مختلفة وعلى المعونات الخارجية التي تحمل دائماً معها ثقل سياسة الدول التي تقدمها. وهي أيضاً في كثير من الأحيان لا ترى مخاطر السياسة الأميركية المتحالفة مع إسرائيل ولا العداوة الكيانية بين لبنان، بلد التنوُّع الديني والمذهبي، وإسرائيل بلد الإقصاء والأحادية الدينية والاضطهاد والسياسة العدوانية المتواصلة تجاه الفلسطينيين واللبنانيين على حد سواء.
أمّا الوضع الدفاعي الحالي حيث تكون المقاومة الشعبية مناطقية ومذهبية الطابع في آنٍ معاً، وهي لا تكبّد الدولة أعباءً مالية، بينما يساند الجيش مشكوراً المقاومة قدر الإمكان للحفاظ عليها، فهو نتاج القصور التنموي وقلة الدراية الاقتصادية في إمكانات لبنان وقدراته الذاتية، وبالتالي عجز الدولة، بل رفضها في بعض المراحل التاريخية، حيازة أية قدرة دفاعية تجاه إسرائيل، العدو الكياني.
لكل هذه الأسباب لا بدّ من الحوار المعمّق بشأن تحديد مَن الصديق ومَن العدو وأين تكمن الأخطار الخارجية الحقيقية أوّلاً، ومن ثم الإقرار بضرورة تنمية قدرات لبنان الاقتصادية الذاتية للخروج من حالة المديونية المفرطة والاتكال على المساعدات الخارجية لسد عجز الموازنة وتمكين لبنان من تأمين القدرات التمويلية الذاتية لكي لا يكون نظامنا الدفاعي هو أيضاً رهن المساعدة الخارجية.
إنّ هذه الأمور تتطلّب إجراء ثورة في تفكيرنا الاقتصادي، تسمح بتحوُّل اقتصاد ريْعي قليل الأداء إلى اقتصاد منتج يستنفر كل القدرات اللبنانية. كما يتطلّب أيضاً النظر بواقعية وموضوعية إلى وضع لبنان الإقليمي والعربي، وخاصةً في ظل الانقسامات بين الأقطار العربية. وتدل التجربة التاريخية اللبنانية على أن انخراط لبنان في محور غربي ـــ عربي قد جرّه دائماً إلى الفتنة الداخلية دون أن يحميه من وحشية دولة إسرائيل ومشاريعها التفتيتية للمنطقة، بينما العلاقات الجيدة لا علاقات التبعية طبعاً، مع محور عربي أو إقليمي أو دولي يتصدى لمشاريع الهيمنة الغربية الإسرائيلية على المنطقة قد أمّنت له الاستقرار.
* كاتب وسياسي لبناني