المجمع السكني الذي يقع في منطقة جبل علي، عند نهاية طرف شارع الشيخ زايد، يبعد عشرين دقيقة عن مركز مدينة دبي. عندما بني هذا المجمع قبل سبع سنوات، كان شبه محاط بالعدم، بعيداً عن كل شيء، ولم يكن أحد يعلم أن هذا الشارع الطويل وتلك البقعة تحديداً ستشهد عمراناً خلال فترة زمنية محدودة


دبي ـ رولا الحسين
بعضنا محظوظ، وليس لهذا الحظ علاقة براتب كبير، أو منصب مميّز. ليس له علاقة بالصحة الجيدة ولا بحب عاصف. بعضنا محظوظ دون أن يدري، فهو يسكن في «الحدائق». إنها ليست «الحدائق المعلّقة»، لكنها أكثر ما نُحسد عليه في دبي. هنا يطلقون على المكان اسم «جاردنز»، وهو شائع أكثر. الذين سكنوا هنا، منذ البداية، لم يدركوا حينها أنهم سيغدون من المحظوظين. كانت «الحدائق» لا تزال بعيدة عن وسط المدينة، وبعيدة كل البعد عن أن تشبه اسمها. ومعظم من سكن هنا غادر لعدم قدرته على تحمّل وحشة المكان. وسرعان ما أصبحت هذه البقعة «النائية» جزءاً من وسط المدينة لا خارجه، حينها فقط... أصبح بعضنا محظوظاً.
في مجمع «الغاردنز» السكني 130 مبنى، يتألف كلّ منها من طبقتين، وما يعادل ستاً وثلاثين شقة في كل مبنى. وفي المجمع ثلاث برك سباحة لجميع السكان، ملاعب كرة المضرب وكرة القدم والكريكيت، وهي الرياضة المفضّلة لدى السكان الهنود، ويمارسونها بانتظام وفي أيام العطلات.
لتسهيل حياة سكان «الغاردنز»، شُيّد عند مدخله مركز تجاري كبير، وأطلق عليه اسم مركز الحدائق، ثم لسبب غير معروف تحوّل اسمه إلى مركز «ابن بطوطة»، فبات علامة فارقة للتعرف إلى موقع «الغاردنز»، كما باتت « الغاردنز» علامة فارقة للتعرف إلى مركز «ابن بطوطة» للتسوّق... وإحدى أهم المزايا التي يتمتع بها سكان «الحدائق» هي أن موقع هذا المركز يجنّبهم زحمة السير، فهم دائماً بعكس اتجاه الزحمة.
رغم صعوبة الشعور بألفة في بلد يعدّ بلداً انتقالياً أو محطة أو نقطة عبور، تجد لدى سكان «الحدائق» رغبة حقيقية في الشعور بالانتماء إلى المكان، رغبة يعززها الإحساس باحتضان هذا المكان لك مقارنة مع الأماكن التي تطردك منها مراراً وتكراراً وبشتى الطرق.
يفاجئك احتضان هذه «الحدائق» لك. كما تفاجئك رغبتك في الانتماء، بعد أن كنت قد اقتنعت تماماً بأن الانتماء مشكلة وجودية لا يمكن لهذا البلد أن يحلّها أو يتعامل معها.
تبدأ بالتعلّق بالمكان «الحدائق»، حين تشعر بحسد أصدقائك. حسدٌ مشروع لا يؤلمك ولا يخجلهم. فالمبلغ الذي تدفعه مقابل أن تكون مستأجراً في «الحدائق» هو ربع ما يدفعه غيرك إيجار شقة أصغر من شقتك في مكان ما في البلد نفسه، و على «ضفاف» الشارع الطويل نفسه. الشارع المحوري. شارع الشيخ زايد.
وإزاء هذا الحسد، تحس بأنه عليك الاعتذار من الآخرين، لأن حظك اختارك أنت هذه المرة لتُحسد، ولو على شيء واحد... فلمَ لا تشعر بعد كل ذلك بالانتماء؟
عندما تشعر بأنك غارق على كنبتك، وصامت كالجدار... يأتي من الخارج صوت لم تسمعه من قبل، صوت لا تزال لا تعلم إن كان صوت طير أو حيوان أو بومة أو صوت غراب... ولكنك تعلم فور سماعه أنك هنا في «الحدائق»، قريباً جداً من ضجيج آلة البناء الهائلة، وبعيداً جداً عنها. وبما أنك حصلت على لقب «المحظوظ»، تشعر بأنه عليك أن تليق به وأن تستحقه.
عندما تقطع الشارع الذي يؤدي بك إلى المبنى رقم «93» في مجمع الحدائق، والذي سمّوه كما شجرة «الغاردينيا».. لتتمشى في البارك، تلتقي بأولاد يكبرون ويجمعون مشاهد وصوراً وأصواتاً وروائح ستكوّن في ما بعد ذاكرتهم التي سيشتاقون إليها كما تشتاق أنت إلى الشجرة التي زرعها والدك لك أثناء غيابك عن الوطن الأصلي.
تنظر حولك، الكل يمشي. يمشي لسبب يخصه.
وتدرك أنه لديك الكثير من الأسباب لتمشي لأجلها، عدا وزنك المقبول.
تمشي لتنسى الحب الذي مشيت لأجله من قبل. تمشِي لتتعرف إلى حب يمشي لينسى الحب الذي مشى لأجله يوماً. أو تمشي لأن الكورنيش الذي تعودّت أن تمشي عليه بإمكانه أن يمتد إلى هنا، وبإمكانك أنت أن تتخيل بحراً.
النادي القريب من «الحدائق» (الكلوب، كما نسمّيه، جمع الإنكليز والأوستراليين والعرب الذي يترددون عليه)، تجتمع فيه مع الأصدقاء للثرثرة وللعب البلياردو ولتشرب ما شئت من «الألمازا» وتغنّي بصوت عال أغاني لا يعرفها ولا يفهم لغتها إلا القليل من رواد النادي. تلك الأغاني من شأنها أن تكون لغة سرّية تصطاد بها من ترغب في انضمامهم إليك. هذا النادي أيضاً تُحسد عليه... إنه على مسافة دقيقة من بيتك، ويشبه الأماكن التي تعوّدتها هناك، في الوطن، في شارع الحمرا... فما حجّتك؟
ولكن، لست في حاجة دائماً إلى أن تستحضر أماكن أخرى لتضمها إلى هذا المكان كي تحبه. يمكنك ببساطة أن توافق على أن تحبه. الموافقة تأتي أوّلاً. إنه قرار. والقرار في «الحدائق» لا يحتاج إلى الكثير من التفكير إن لم تكن عنيداً طبعاً. فالشرفة التي لا تستطيع الخروج إليها هنا إلا نادراً، يعوّض عنها حمام السباحة الذي لا تحلم في امتلاكه «هناك».
الجيران الذين تشتاق إليهم كحجّة تضيفها إلى حججك لتدعم قرارك بعدم الانتماء إلى دبي، يقابلها احترام لوقتك وخصوصيتك التي لا يقتحمها أي جار هنا إلا فيما ندر، وكي يسألك بأدب إن كنت ترغب في خفض صوت الموسيقى في الحفلة التي تقيمها بين الحين والآخر.
«الحدائق»... قد لا تشبه تلك التي يزرع فيها لي أبي كل يوم شجرة، في قريتي في جنوب لبنان. قد لا تشبه نبتة يسقيها كل يوم لتستقبلني كبيرة حين أعود، ولكنها تشبه «الحدائق». تشبه نفسها. وتشبه الوقت الذي أمضيته فيها والضحكات التي أطلقتها مع الأصدقاء ونحن نتذكر أوقاتنا في مكان آخر. عندما نغادر، سنضحك هناك أيضاً، حين نتذكر الأوقات التي أمضيناها هنا في «الحدائق».
بعضنا محظوظ لأنه يسكن في «الحدائق»... أنا أيضاً.



بعض ما اشتقت إليه


تنتبه فجأة إلى أنه أصبح للهواء هنا رائحة تعرفها، وأنّ المطر الذي هطل على المكان، هطل أيضاً على نظرك وسمعك وحاسة الشم لديك، وأن ما هطل كان فعلاً مطراً يشبه المطر الذي اشتقت إليه. تنتبه أيضاً إلى أن الشجر عاد ليستحق اسمه بعد أن أعاد إليه المطر لونه، وأنه أخيراً أصبح بإمكانك أن تطلّ من الشرفة التي لم تطأها يوماً وترسم بفرشاة ألوانك الشجرة التي تنتظر تحت الشرفة أن تعيرها يوماً ما انتباهك.