الدكتور فيصل القاق *

كان ذلك في العام 2005، في أروقة الأمم المتحدة في نيويورك، عندما شاركنا في لقاءات «الكوريدورات» التي ضمت جمعيات أهلية ووفود دولية في نقاشات لا تنتهي، حول ماهية الثقافة الجنسية: هل هي ثقافة التثقيف الجنسي؟ أم التثقيف حول الجنسانية أم الصحة الجنسية؟ يومذاك، رفضت عدد من بعثات الدول العربية والأجنبية مصطلح التثقيف حول الجنسانية لاحتوائه وتطبيعه المثلية والحق في إقامة علاقات جنسية قبل الزواج.

اعتبروها «غزوة غريبة» من نوع آخر يجب محاربتها. علماً بأنّ منظمة الصحة العالمية قامت في العام 1975 بإعداد وثيقة تناولت في مضامينها مواضيع التربية الجنسية والتوعية والمشورة. ثم تبع ذلك محطات دعمت هذا التوجه، وكان من أبرزها مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية في العام 1994 الذي سيدعم لاحقاً إدراج مسائل التربية الجنسية، برغم تحفظات بعض الحكومات المشاركة فيه، ومنها لبنان.
بدأت كرة التربية الجنسية تكبر في العام 2002، عندما جمعتنا منظمة الصحة العالمية في مقرها في جنيف، حيث قمنا بتعريف عملي للجنسانية، باعتبارها «جزء أساسي في بعدنا الإنساني يمتدّ على مدى الحياة، وتتضمن الحميمية والمتعة الجنسية والتوجّه الجنسي والإنجاب، على أن يُعبّر عنها من خلال الأفكار والمواقف والقيم والرغبات والممارسات (...) يستوجب المسؤولية واحترام الآخر وقيمه وثقافته ويمنع العنف والإكراه (...)». ذهب هذا التعريف بعيداً عن ثقافة «ألملفوفة» وبيولوجيا الأعضاء التناسلية والبلوغ، شاملاً الصحة الجنسية والإنجابية، ومخاطباً ثقافة العلاقات السليمة والنضوج والجنس المأمون والحق في الامتناع عن إقامة علاقة أو إقامتها والمعرفة والخدمات والمشورة».
لم يعد ممكناً لصف علم الأحياء أن يصمد أمام تسونامي السيدا وأعداد الإلتهابات الجنسية والحمل غير المرغوب والعنف الجنسي المتصاعدة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. وقد حملت هذه الأرقام والوقائع الطبيب العام للولايات المتحدة الأميركية، الكولونيل إيفيرت كووب، للإعلان عن تغيير برامج تدريس الصحة الجنسية تغييراً جذرياً، لا رجوع عنه. وعلى إثر ذلك، دفن الأهل وإدارات المدارس تحفظاتهم عميقاً وبدوا منفتحين صوب برامج جديدة تحمي أولادهم من ويلات السيدا وأخواتها. كما تجاوز عدد منهم إشكالية تسمية البرامج، سواء أكانت صحة جنسية أم صحة إنجابية وجندر. مع ذلك، ظلّ «رقّاص» المواقف عالقاً عند موضوعات الإمتناع عن الجنس والمثلية وغيرها من المسائل الشائكة.
توافقت معظم الهيئات الدولية على ضرورة تعليم الصحة الجنسية كأساس لتثقيف الشباب وتنويرهم وحمايتهم في حياتهم العاطفية والإنجابية والجنسية، كردٍّ على ما يظنّه الكثيرون بأنّ التربية على الصحة الجنسية تزيد من مخاطر الإنخراط في علاقات جنسية قبل أوانها ودفع الشباب إلى ارتكاب المحظور.
وقد جاءت أولى الدراسات من بحث لمنظمات الأمم المتحدة في التسعينيات في حوالى اثني عشر بلداً، والتي أكدت أن التثقيف الجنسي أو التربية الجنسية تزيد من فرص الجنس الآمن وتؤخر سن القيام بأول علاقة جنسية، كما وتزيد من إمكانية ممارسة الإمتناع عن القيام بالعلاقة قبل الزواج. بعدها بسنوات، ظهرت أبحاث أخرى من مراكز متعددة ـ أبرزها من واشنطن ـ لتدعم ما سبق وتبرهن فوائد التثقيف الجنسي على صحة وعلاقات ومواقف وسلوكيات الشباب في مختلف مراحل حياتهم.
لم يكن الدفع ياتجاه التثقيف الجنسي يأتي فقط من أعلى الهرم، بل أتى أيضاً من فئات الشباب في مختلف مناطق العالم، حيث أظهرت دراسات عدة في لبنان والبلدان الأخرى رغبة أولئك الشباب في وجود موارد ودروس صفية حول الصحة الجنسية والحصول على مهارات مفيدة. رغبة الشباب تلك أتت من عدم اقتناعهم يما يحصلون عليه في ساعات علوم الأحياء أو من التلفاز ومواقع الإنترنت. لم يكن الأهل مطلقاً من أوائل مصادر المعلومات، خصوصاً الآباء، إذ كان دورهم هامشياً على غرار أدوارهم في أفلام المخرج الإسباني اللامع بيدرو إلمودوفار. لقد سئم هؤلاء من الشعور بالإحراج والإحباط والتردّد عند كل سؤال للأهل أو الأنكى عند كل جواب «روح انتبه لدروسك». «مين عم يلعب بعقلاتك.». «شو مستعجلي ع الزواج؟». لقد سبق الشباب أهلهم ومعلميهم بأشواط. بمواقف وآراء تنتمي لغير زمن، الأمر الذي يستوجب مواكبتهم، وفي بعض الأحيان تجاوزهم بأميال علمية ورصينة من برامج في التربية والتثقيف الجنسي تحاكي هواجسهم وتطلعاتهم وقيمهم. ليس من الحكمة بشيء أن نبقى غارقين في محاجرنا. نحارب في معارك وهمية، بينما تُنسج وقائع سكانية واجتماعية وصحية قد لا نعرفها عندما «نستفيق». الإختيار بين العلم والجهل ليس بالأمر الصعب، إلا إذا فقدنا حتى نعمة الإختيار.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحّة جنسية