ليست الثروة أو الفقر هي ما يورّث فقط من العائلة إلى الأولاد والأحفاد، بل الصحّة والمرض والسلوكيات وأدوات التأقلم أيضاً، تنتقل إلى الأجيال راسمة لهم خطوط حياتهم وحظوظها وحتى فرص السعادة ومخاطر الإحباط. لا تشذ الصحة الجنسية كما الجنسانية عن هذه القاعدة عموماً، فنرى آراء وسلوكيات تتبع أو تتشابه مع اتجاهات عائلية أو حتى جينية تراكمت داخل الأسرة أو المجموعة.


فمنها المتحفظ ومنها المتوجس ومنها المنفتح أو المعتدل. ينطبق ذلك على علاقة الفرد بالجسد أيضاً. لم تجرِ دراسة العلاقة بين الضغط المزمن والتعصيب والصحة الجنسية، برغم الاعتقاد الراسخ بترابط هذه العوامل وتأثيرها في الصحة والعلاقة الجنسية. برزت تقارير محدودة تصف أثر «السترس» اليومي المتكرر بشكل سلبي في عمل الوظائف الانجابية والجنسية عن طريق تدهور عمل الهرمونات ونشاطات الغدد المعنية بتلك الوظائف، كما سيظهر لاحقاً. وهنا، لا يمكن للعلاج الدوائي وحده أن يصلح ما يفسده الضغط اليومي وانشغالات الحياة. بدأ ذلك من عهود العيش تحت شريعة الغاب ـ وما يزال ـ وتموضع الدماغ بين استراتيجيتي الهجوم أو الهروب وما سيراكمه لاحقاً من خبرات وبرمجة وردات فعل تتحكم بالسلوك الفردي والجماعي. فإذا ما تكرر تعرض الفرد لمواجهات خطرة أو ضغط مستمر (سترس) فسيعمل الدماغ على تعديل ردات الفعل وأساليب الفعل بما يحمي الفرد أو يخدم مصلحته. ويتوزع «السترس» بين حوادث مؤلمة آنية ومفاجئة وبين تراكم أفعال أو أحداث يومية متواصلة بسيطة لكنها مرهقة. يتعدد ضحاياه ووسائل تعاطي الدماغ معه، وتصبح الصحة الجنسية أحد ضحاياه الباهظة الكلفة. فقد بينت إحدى الدراسات الهامة العلاقة المباشرة بين السترس اليومي المزمن والاضطرابات الجنسية النسائية تحديداً. تتفاجأ المرأة العاملة بعد أسبوع عمل مضنٍ، وملاحقة التفاصيل اليومية الصغيرة، بعدم وجود رغبة أو استجابة جنسية. تتكرر المشاغل والضغوطات اليومية وتتكرر معها مشاكل الأداء الجنسي والعلاقة الجنسية. يعاود الزوجان هنا المحاولة أكثر من مرة، لتكون المحاولة اللاحقة أسوأ من السابقة نظراً إلى تدخل الدماغ مذكراً الزوجين بالمحاولات السابقة الفاشلة. يتوقف الزوجان عن المحاولة لتبدأ برودة العلاقة الزوجية والشخصية. سيناريو يُعاش يومياً على وقع تداخل فعلي ليوميات الناس في صحتهم الجنسية.
عندما سُئلت النساء من ضمن دراسة الصحة الحضرية لكلية العلوم الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت، عن صحتهنّ النفسية، أجاب نصفهنّ أنها غير جيدة ومتدنية. كانت صحتهنّ النفسية متعثرة لدرجة أنها حجبت صحتهن الإنجابية والجنسية. لم يكن جواب النسوة عبثياً أو ناتجاً من شعور بالأعباء فقط، بل كان نتيجة ما يجري داخل أجسادهن وأدمغتهن. لا يأخذ البعض الضغوطات اليومية على محمل الجد، ولا يدركون أن التراكم اليومي للسترس يؤدي إلى اضطرابات هرمونية تُعطل المسار الطبيعي للصحة الإنجابية والجنسية ليصبح الدماغ منشغلاً بمواجهة السترس والضغط اليومي على الهام والعادي كالجنس والإنجاب. يسيطر الكورتيزول على الجسد ويُنهك وظائفه اليومية ويعطلها بعد حين. مشاكل الخصوبة وضعف الانتصاب والمراضة المتكررة أمثلة محددة على ذلك الذهاب البطيء والمبكر نحو الاضطرابات والفشل في الأداء الإنجابي والجنسي وحتى الصحي.
تختلف ردات الفعل وسلوكيات الدماغ بحسب الوارثة الآنفة الذكر. تبقى المرأة أكثر عرضة وحساسية وتفاعلاً مع عوامل السترس، وغالباً ما تطور دفاعات سلبية في مسألة الصحة الجنسية تزيد من حدوث الاضطرابات. لماذا تكون المرأة أكثر عرضة؟ ولماذا تدفع ثمناً أكبر من جنسانيتها وصحتها الجنسية والإنجابية؟ لم يحدث لكائن أن تعرض للقمع المجتمعي أو التحرش الجنسي أو الاغتصاب كما تعرضت النساء ولا زلن. لا يمر ذلك مرور النسيم، بل يضع المرأة في منزلق خطير تختزن معه كل التعرضات البشعة لتتحول في دماغها إلى ميكانيزمات تطبع سلوكها تجاه الجنس وجسدها بالسلبية والهروب وعدم القدرة على الاستجابة والتفاعل. بان ذلك في ثنايا الدماغ الأمامية التي تختزن الضغوطات اليومية والسترس، متربصة بأداء العلاقة الجنسية لتعرقله وتعطِّله وتزيد من الاضطرابات. واضحة ومعبرة تلك الصور الآتية من آلات الرنين المغنطيسي كاشفةً تفاعلات الدماغ المبهرة المتعلقة بالأداء الجنسي. يُقال إن الدماغ هو العضو الجنسي الأول، وهو العلاج الجنسي الأفعل أيضاً، لكنه في نفس الوقت المتلقي للضغوطات اليومية والسبب الأساسي للاضطرابات الجنسية. البداية من الدماغ لتحريره من «جراثيمه» كما جاء في الكتاب الرؤيوي الشهير «مايند بارازايتس» لكولن ويلسون، سارداً بين سطوره قدرة الجسد على التخلص من علته في أسابيع، بينما سيحضن الدماغ (والعقل) جراثيم المرض والخوف والقلق إلى الأبد. وفي الدماغ أيضاً سر النهاية.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحّة جنسية