يسود انطباع لدى اللبنانيين (اللبنانيات واللبنانيون) بتعنيفهم بشكلٍ دوري، لا بل يومي في كل مرفق من مرافق حياتهم. في القانون وتطبيقه، يعنّفون، وفي مأكلهم ومشربهم وفي الوصول إلى الخدمات الصحية والتربوية وأماكن العمل. كما يشمل تعنيفهم خصوصيات حياتهم الإنجابية والجنسية. بيد أنّ التعنيف الجنسي هو أكثر مظاهر ذلك العنف قباحة وشراسة كونه يحدث بصمت، ومن قبل أقرب الناس الذين غالباً ما يفلتون من العقاب.


بات العنف الجنسي يمثل وباء نظراً إلى انتشاره الواسع في لبنان والعالم، حيث تشير تقارير منظّمة الصحة العالمية وغيرها من الهيئات الدولية المعنية بوجود حوالى 35% من النساء حول العالم يتعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي من جانب شريك حميم في حياتهن. يتضاعف ذلك الرقم، إذا ما اعتمدنا تعريف منظّمة الصحة العالمية للعنف الجنسي على أنه «أيّ فعل جنسي أو محاولة للحصول عليه، والبوح بتعليقات أو القيام بإيماءات غير مرغوب بها، او استخدام الإكراه أو الابتزاز من قبل أي شخص بغض النظر عن علاقته بالضحية، وفي أي مكان، ولا يقتصر ذلك على المنزل أو العمل».
على الصعيد المحلي، يتزايد إدراك اللبنانيات واللبنانيين للعنف الجنسي حيث تشير دراسات شملت عينة من طلاب الجامعات إلى وجود التعنيف واستعمال مختلف أشكال القوة والتسلط لممارسة التحرش والعنف المنزلي والجنسي. وفي هذا الإطار، تشير دراسات وتقارير منشورة على موقع المركز اللبناني للمناصرة والمشورة القانونية (لالاك)، إلى حصول أكثر من 1300 حالة اعتداء على النساء في لبنان. كما أظهرت دراسة من الموقع عينه شملت 300 امرأة، أن نسبة اللواتي تعرضن للعنف الكلامي بلغ 87%، كما تعرض 68%‏ منهنّ للعنف الجسدي بكافة أشكاله و55% تعرضن للهجر أو الاستبدال بعلاقات خارجية، أو لممارسات جنسية تحت الإكراه. وفي دراسة أخرى نُشرت حديثاً من كلية العلوم الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت ـ عن عينة من طلاب الجامعات ـ تبين أن حوالى 17% من المستجوبات تعرّضن للعنف الجنسي وحوالى 16% أُرغمن على عمل جنسي لا يرغبن به. كما سيجرى اليوم إطلاق دراسة هي الأولى من نوعها حول شهادات موثّقة لخمسين ضحية عنف جنسي تلقي الضوء على نساء يعانين في الظل ما لا يقدر أيّ مخلوق على تحمّله. تأتي تلك النساء إلى مسرح الاغتصاب والعنف الجنسي من مشارب عائلية وثقافية وتربوية مختلفة، يُفتَرسن من قبل الأب والأخ والجدّ والعم والخال والزوج وأخ الزوج وزوج العمة والصديق والزميل ورجل الدين والمعلم والطبيب والجار والمدير والغريب. كل المجتمع ينخرط في مهمة الاغتصاب غير المستحيلة، كلهم ينهشون في جسدٍ استحال فوق المحرمات. «طلبني للزواج وأنا في الخامسة عشر من عمري، وفي ليلة الدخلة حملني كلعبة بلا حسٍ وبلا روح، وألقى بثقله علي وشعرت حينها كما لو أنّ روحي فرّت من جسدي. كان ذلك يشبه الكابوس». برغم من إدراك الضحايا للإكراه والعنف الجنسي، إلا أنّ بعضهنّ احتار، أكان ذلك اغتصاباً أو حقاً من حقوق الزوج. هنا في الأخاديد الجارية بين الأعراف والقوانين، تحتجب حالات العنف ويتلطى المعنفون بـ«حصانتهم». فمن بين ما يقارب 95000 حالة اعتداء جنسي في إنكلترا، يُلاحق ويُدان 1070 معتدياً فقط، لأنّ الاعتداء الجنسي «فضيحة الفضائح ولا يمكن أبداً الحديث عنه»، كما أسرّت ضحية في الخمسين من عمرها. هنا أيضاً ـ كما كان يحدث الفراعنة والعصور الغابرة ـ تُقدّم الفتاة كأضحية للآلهة أو للقبائل أو لنهر النيل طمعاً في العطاء أو رداً للشرور والكوارث. لم يتغير شيء. تُعطى المرأة أدواراً مختلفة في مراحل حياتها حسب الحاجات السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة، ولكنها دوماً تلبس الدور نفسه في كل العصور لتبقى صامتة على تعنيفها وانكسارها وذُلها... خوفاً من وقوع الفضيحة.
«بعدما زاد العنف علي، أخبرت أهلي، فكان ردهم مثل كما الكل: تحملي لأن عندك ولاد وما تخربي بيتك. قررت أن أدافع عن نفسي وأتخلص من العنف، ولو انقلب كل شيء». في مجتمع يصنع ضحاياه، قد يكون العنف متأصلاً، لكن لا يجب أن يكون قدراً. إن متلازمة لوم الضحية ووضعها في خانة من يستجلب العنف لنفسه نتيجة عدم الطاعة والالتزام و«التطنيش» أو إثارة الرجل، كما أن إفلات المعتدي من المحاكمة والعقاب، لا يخدم أبداً مواجهة وباء العنف الجنسي وزيادة انتشاره و«تراكم» ضحاياه. يُنسب إلى أعظم أباطرة روما، يوليوس قيصر، قوله إنه قد تكون رغبة الآلهة الخالدة أن تطيل بعمر ورخاء المجرمين ثم تعكس حياتهم لاحقاً لتصبح بائسة فيتعذبون ويعانون بشكل مرير. بعده، بحوالى ألفي عام، كتب أهم أدباء روسيا، ڤيودور دوستيوفسكي «الجريمة والعقاب»، عن الاعتراف بالخطيئة كعقاب للرجل المعذّب الضمير. لا يمكن لمأساة العنف الجنسي أن تكتفي فقط بالضمائر المعذبة ـ هذا إذا وُجدت ـ بل العمل بجدية لاستكمال القوانين المتعلقة بحماية المرأة من العنف الأسري.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحّة جنسية