في أواخر الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في شتاء عام 1944، فرضت القوات الألمانية حصاراً قاسياً على مناطق غرب هولندا، مانعة دخول الماء والغذاء لحوالى 5 ملايين شخص. عُرف ذلك الشتاء بشتاء الجوع وأدّى إلى وفاة حوالى اثنين وعشرين ألف إنسان من انعدام الغذاء، في جو جليدي قاسٍ توغل إلى أقنية الماء والطرق.


في حينها، لم يكن يخفف من ضحايا الجوع، إلا ما كان يهبط بسيطاً من السماء عبر بعض الطائرات ضمن عمليات مانّا وشوهاوند بالاتفاق مع الألمان. يعتبر المؤرخون ذلك الحصار من الحوادث النادرة التي وقعت في بلد متطور خلال حروب العصر الحديث. كما في هولندا، كذلك في سوريا، بعد أكثر من ثلاث وسبعين سنة، كانت سنوات حصار لبعض البلدات والقرى السورية التي أدت بدورها إلى وقوع ضحايا للجوع والعطش.
شكل شتاء الجوع مادة دسمة للباحثين في الطب والصحة العامة والحمل والأطفال لدراسة تأثير الجوع وسوء التغذية على صحة النساء والمواليد على المديين القصير والطويل. أشارت الدراسات من هولندا وبريطانيا إلى نتائج سلبية للجوع تمثلت في ازدياد تعرض مواليد الحوامل تحت حصار الجوع إلى مخاطر أعلى للإصابة بالبدانة وأمراض السكري وأمراض القلب والأمراض الاستقلابية. تشير دراسات سجلات المواليد خلال شتاء الجوع إلى ارتفاع نسبة تدني أوزان المواليد وأحجامهم وارتفاع مخاطر وفاتهم في الشهور الثلاثة الأولى من الحياة.
أما ما هو ملفت أكثر، فهي الأبحاث التي أكدت وجود علاقة بين مستوى غذاء الحامل وصحة المواليد في سن الرشد وبعده، فيما يتعلّق بأمراض عقلية كانفصام الشخصية وشيخوخة العقل المبكرة واضطرابات ومضاعفات البدانة. فتح ذلك الباب واسعاً أمام أبحاث علم التخلّق المتتالي (Epigenetics)، أو ما يشمل تغيرات التعبير عن الموروثات دون تغيير رموزها، لتبدأ عملية بحث ودراسة بيئة الحمل عند المرأة من أمراض جسدية وعقلية ونفسية وغذاء وسلوك وأثر كل ذلك على سلامة المواليد حتى أواخر أعمارهم. يُسمى ذلك أيضاً الأصل الجنيني لأمراض الرشد.
لا يشبه الصيام ذلك الجوع البائس والقاتل، ولكن بعض سلوكيات الصيام الغذائية حملت المهتمين على القيام بأبحاث ودراسات واجتهادات في موضع صيام الحوامل والمرضى وغيرهم، للغذاء وسلامته وتوازنه حصة كبيرة في سلامة الحمل والأجنة والمواليد والبالغين. يحلّ شهر الصوم، ويبدأ الحديث عن الغذاء المتوازن خلال الحمل وأثر الصيام على الحوامل والمواليد.
هناك ما يقارب 350 إلى 400 مليون امرأة مسلمة في عمر الإنجاب، مع تقديرات تشير إلى أن هنالك ما يقارب مليار مسلمة ومسلم كانوا في أرحام أمهاتهم في وقت ما خلال شهر رمضان. من هنا، يرغب عدد من الحوامل وعائلاتهن بأداء فريضة الصيام، بيد أنهنّ يسمعن أحاديث متضاربة حول أثر الصوم على الجنين. من وجهة نظر طبية وعلمية، ليس هناك بعد من دليل قاطع على مضاعفات ثابتة وأكيدة للصوم على الجنين والمولود. تتعدد خلاصات الأبحاث من أجنة صغار الحجم إلى ازدياد التهابات المسالك البولية والغثيان والولادة المبكرة وتدني حركة الجنين، إلى عدم وجود أي مشاكل أو مضاعفات متعلقة بحجم المولود أو حجم السائل الأمنيوني. تبقى المسألة الأساسية المتعلقة بأثر الصيام على صحة المواليد مستقبلاً في سن الرشد.
تشير بعض الدراسات الأولية والتقارير إلى ازدياد معدلات الولادة المبكرة وارتفاع إعداد المواليد صغار الحجم عند اللاجئين السوريين. لم يتم التثبت علمياً من علاقة تلك المؤشرات بسوء التغذية أو أمراض فقر الدم. ولا يمكن في المدى المنظور الذهاب نحو دراسة آثار حصار البلدات السورية والتي قد تكون أسوأ من شتاء الجوع الهولندي، على صحة الحوامل ومواليدهنّ، حتى يتسنى الاطلاع على أي معلومات صحية وطبية متوافرة.
تصومين أو لا تصومين أمر يتعلق بالوضع الصحي والنفسي والعائلي لكل حامل، ويرتبط بدرجة التزامها بقواعد أساسية تشمل بتوازن الوجبات وتعددها وغناها بالطاقة والمكونات الغذائية ما بين الفطور والسحور، وشرب كمية وافرة من المياه بمعدل كوب كل ساعة والحصول على كمية وافية من الراحة والنوم وتحاشي النشاطات المرهقة والمضنية، والتوقف عن الصيام عند الشعور بالدوخة أو التعب الشديد. يعتمد كل ذلك على تقييم الطبيب وتقديره وعلى غياب أية مشاكل صحية أو نفسية خلال الحمل وعلى صحة الجنين ونموه، كما على القدرة على التحمل اليومي للصيام. 
هناك محددات مختلفة لنية الصيام عند الحامل كما جاء في دراسة من أندونيسيا - أكبر بلد مسلم - حيث تبين أن عند الحوامل اللواتي التزمنّ بالصيام، كان الوزن الزائد قبل الحمل، والصيام من أول أيام الحمل سببين رئيسيين للقيام بواجب الصيام. بينما كانت معارضة الزوج لصيام زوجته الحامل، والخوف على صحة الجنين، وتقدم عمر الحمل أسباباً لعدم صيام المرأة الحامل. طبعاً من غير الواضح إذا كانت معارضة الزوج لصيام زوجته الحامل حرصاً منه على صحتها أو على صحة طفله مستقبلاً.
الموضوع هام ومتشعب. تبقى صحة الحامل وجنينها وسلامة الحمل عموماً الأساس في قرار الصوم أو عدمه ضمن الفهم الكامل للاعتبارات الاجتماعية والدينية والعائلية. قد يكون من المفيد أن تنهمك لجنة مشتركة علمية طبية دينية لبحث وإنتاج إرشادات قائمة على الأدلة والبراهين تكون بمثابة خريطة طريق لكل المعنيين بالحامل وصحتها (وهي أول المعنيين) آخذة بعين الاعتبار ظروف كل حامل (واللاجئات طبعاً) بعيداً عن اجتهادات تبسيطية وتفسيرات تُضِل ولا تهدي وكل رمضان والعالم أقل حزناً وقتامة.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحّة جنسية