قد يشعر الكثير من الأشخاص، بين الفينة والأخرى، بحرقة المعدة. ذلك العارض الذي يعدّ من المشاكل الصحية الشائعة، وهو ما يطلق عليه طبياً الحموضة الزائدة. قد يكون ذلك العارض غير ذي أهمية إذا ما أصاب الشخص، ولكن قد ينذر بالخطر، في أحيانٍ أخرى، إذا ما تكرر ظهوره. وهنا السؤال: متى تصبح حرقة المعدة الشائعة قاتلة؟


يُصاب الأشخاص بحرقة المعدة كنتيجة لتناول بعض الأطعمة أو المشروبات «الحادّة» مثل الليموناضة والمشروبات الكحولية والغازية على معدة فارغة، أو المبالغة في تناول أنواعٍ من البهارات والبصل والثوم، و لكن عندما يمتنع المريض عن تناول الأطعمة التي تسبّب له هذه الأعراض تنتهي المشكلة. هذا في المبدأ، ولكن في الواقع، ثمة من لا تنتهي عندهم هذه المشكلة، وقد تتكرر أعراض الحرقة أكثر من مرتين في الأسبوع، ويشعر معها المريض بأنها تصل إلى حنجرته وتزداد عند الاستلقاء. هنا، في هذه الحالة، لا تستقر الحرقة على تسميتها، إذ يصبح هناك ما يسمى بالارتجاع المعدي المريئي، الذي يستدعي العلاج.
وتكمن خطورة هذا المرض في حال تكرّره وإهمال علاجه في التسبّب بالتهاب في الجزء السفلي من المريء، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث تقرّحات مريئية مؤدّية إلى نزيف تدريجي. كذلك يؤثر عدم العلاج إلى الإصابة بفقر الدم أو التسبّب بنزيف حاد، قد يكون خطراً مهدّداً للحياة.


تكمن خطورة هذا المرض
في حال تكرّره وإهمال علاجه مما يتسبب بالتهاب


ولكن ثمة ما هو أخطر من هذا كله، وهو تحوّل تلك التقرّحات إلى نوعٍ قاتل من السرطان، تطلق عليه تسمية «باريت» (Barrett).
في العودة إلى الحديث عن مرض الارتجاع المعوي، فإن أبسط الأمور هنا هو التعريف بكيفية حدوثه. وهنا يشير الأطباء إلى أنه «في نهاية المريء توجد عضلات متخصّصة تشكل صماماً يسمح للطعام بالدخول إلى المعدة بعد البلع، ثم ينقبض الصمام ويمنع عودة أيّ من محتويات المعدة إلى المريء، ومن المعروف أن المعدة تفرز أحماضاً وانزيمات قوية لكي تهضم الطعام. فإذا كان صمام المريء ضعيفاً لأي سبب من الأسباب، فإن بعض محتويات المعدة، بما فيها الأحماض والإنزيمات القوية، تعود وترجع إلى المريء». تحدث المشكلة هنا في كون الطبقة المبطنة للجدار الداخلي في المريء ليست مثل جدار المعدة، فهي لا تستطيع تحمل تأثير الأحماض والانزيمات التي ترجع من المعدة إلى المريء، ما يؤدي إلى رفع خطر الإصابة بالالتهابات والتقرحات التي قد تتحول إلى السرطان القاتل. وغالباً ما يجهل المرضى عوارض هذا المرض، فيقولون إنهم يشعرون بحرقة أو حموضة أو «نار» في أسفل الصدر. وغالباً، ما يشيرون بأيديهم إلى الجزء الأسفل من عظمة القص (وهي العظمة المسطحة التي تتصل بها الأضلاع في مقدمة الصدر)، ولكن بعد فترة من الارتجاع  تتغيّر هذه الأعراض، بحيث تمتد لتصبح «بحّة» متكررة في الصوت وأحياناً «كحّة» غير واضحة، إضافة إلى صعوبة في البلع. أما أخطر هذه الأعراض فهو العارض الأخير ــ الشعور بصعوبة في البلع عند تناول الطعام أو الشراب. أما الأسباب التي تؤدي إلى الارتجاع المريئي والى ضعف الصمام العضلي، فهي غير معروفة على وجه التحديد. ولكن هناك عوامل كثيرة تساعد في بداية هذه المشكلة، وأهمها وجود فتق في الحجاب الحاجز، أو أحياناً خروج جزء من المعدة من هذا الفتق إلى القفص الصدري، والسمنة الزائدة، وتناول طعام العشاء في وقت متأخر، والنوم بعده مباشرة، والأطعمة المشبعة بالتوابل والفلفل والبصل والدهون، وكثرة تناول مصادر الكافيين كالقهوة والمشروبات الغازية، والإدمان على الكحول، والتوتر النفسي والتدخين.
وعادة ما يتم الكشف عن الأعراض بإجراء بعض الفحوصات أو باستخدام الناظور للمريء، وأخذ عينات من جدار المريء أو من التقرّحات في حال لزم الأمر. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تكرار الألم وسط الصدر يجب أن يؤخذ باهتمام بالغ، وخاصة عند مرضى السكري أو ارتفاع ضغط الدم أو السمنة الزائدة، وفي هذه الحالة ينبغي مراجعة طبيب القلب للاطمئنان على حالة القلب وصحته.
وأخيراً، إن الحفاظ على نمط حياة صحي بشكل عام وعلى وزن مثالي ونشاط بدني معتدل مع انتظام ساعات ومواعيد وكميات الطعام كلها ستلعب الدور الأكبر في وقايتك من هكذا نوع من المشاكل الصحية.