"أين تبدأ حقوق الإنسان على أي حال؟ تبدأ في الأماكن الصغيرة والقريبة من المنزل لدرجة أنها لا تظهر على أي خريطة من خرائط العالم. لكنها العالم لذلك الفرد: الحي الذي يعيش فيه، المدرسة أو الجامعة الذي ترتادها، المصنع أو المؤسسة أو المكتب الذي يعمل فيه. في تلك الأماكن تبغي كل امرأة، وكل رجل، وكل طفل العدالة المتكآفئة، والفرص المتساوية، والكرامة الموفورة دون تمييز. وما لم يمكن من معنى للحقوق في هذه الأماكن، فلن يكون لها أي معنى في أي مكان. ودون جهد وعمل المواطن لتبني الحقوق حول مسكنه، عبثاً نأمل في تحقيقها حول العالم".


ملاحظات مفصلية أدلت بها السيدة إليانور روزفلت أرملة الرئيس الأميركي فرانكلين د روزفلت، ورئيسة اللجنة التي ستعمل على إعداد شرعة حقوق الإنسان والتي ستتبناها الامم المتحدة في العاشر من كانون الأول عام ١٩٤٨. كان لبنان من ضمن الـ١٨ عضواً في تلك اللجنة، وكان العالم مثقلاً بضحايا الحرب العالمية الثانية والإبادات، ومثخناً بجراح المعوقين والجرحى والدمار، يتطلع الى عالم خالٍ من العنف والصراعات.
هلل العالم للماغنا كارتا الجديدة، وطوّر الشرعة الجديدة لتشمل السياسة والاقتصاد والصحة والحقوق الجنسية. بعد مرور سبعين عاماً، حصلت انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان، وكانت حروب شبه عالمية ساخنة وباردة، وكانت مواقف ملتبسة للدول والأفراد في قضايا الأقليات والديمقراطية والرعاية الصحية الشاملة والجندر والمثلية وغيرها. بالرغم من فداحة ما حدث ويحدث، لا يزال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان السند الأساس، والتطلع الدائم لملايين الناس للمطالبة بحريتهم وكرامتهم وحقوقهم.
اعتُبر حق الفرد في الحصول والوصول الى أعلى درجات الصحة والسلامة من صلب حقوق الإنسان والذي غالباً ما أهملته الحكومات من قمة أولوياتها، ولَم يأخذه الأفراد على محمل الجد. تمنح المقاربة الحقوق-إنسانية للصحة مجموعة مبادئ واضحة تتعلق بالسياسات الصحية، والخدمات، وعدم التمييز، وتحقيق العدالة والمساواة.
قد يكون من المفيد أن يفحص الناس معلوماتهم حول حقوقهم الصحية. في هذا المجال، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحق في الصحة يحوي حريات واستحقاقات تتعلق بنظام صحي يُؤْمِن الحق بحماية صحية، الحق بالوقاية والرعاية وضبط الأمراض، الحق بالأدوية الأساسية، الحق بخدمات أساسية نوعية تشمل النساء والشباب والمسنين والمهمشات/المهمشين والمثليين، الحق بالمساواة في الوصول والحصول على الخدمة الجيدة، والحق في المشاركة والقرار في خطة الرعاية الصحية الفردية، كما الحق في المعلومات والمعرفة الصحية. تغيب حقوق عديدة من هذه اللائحة.
لم تتطرق منظومة الحقوق تلك الى أهمية الواجب الأخلاقي والبيوأخلاقي وهي أساس لتحقيق عناصر الحقوق الصحية. تشير دراسات وابحاث خبراء كناسبوم ودانيالز وغيرهما الى العدالة الصحية والقدرات الاجتماعية التي تحدد إمكانية وجود بنى اجتماعية وممارسات تجيب عن تساؤلات تتعلق بالخصوصية الاخلاقية للصحة وعدم المساواة الصحية، إضافة الى نوع التقديمات الصحية في بلدان محدودة الموارد.
يقضي الواجب بأفراد المجتمع أن يعملوا لحماية صحة بعضهم البعض من خلال العمل على بناء مؤسسات وفضاءات ملائمة. يتطلب ذلك رعاية هندسة صحية شاملة تشمل الصحة العامة، رعاية صحية أولية، وخدمات طبية ومجتمعية مساندة، كما يتطلب توزيعاً عادلاً للمحددات الاجتماعية للصحة (إعادة توزيع الموارد).
في أسبوع حقوق الانسان، لا يمكن للحقوق الصحية أن تتحقق ما لم يبدأ مسار التشارك الشفاف والقابل للمحاسبة بين الحكومات والمعنيين حول أولويات المسائل الصحية ضمن الموارد المتاحة وفهم المحددات الاجتماعية لها، وتحديد ما يمكن منعه من سوء توزيع الموارد الصحية وتخفيف اللاعدالة في الرعاية الصحية.
هنا تتوضح صورة ما يمكن تحقيقه، وجدوى أي أثر فعلي وفعال للتدخلات الصحية على الحقوق الصحية، وتجاه كرامة المواطن، والالتزام الأخلاقي تجاه صحة المجتمع.
لا جدوى من التغني بشعارات حقوقية وصحية ما لم تحمل في نواتها التزاماً بكرامة الإنسان وكرامة معاشه وحياته.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحة جنسية