مع بداية كل عام، تزدحم مواقع التواصل الاجتماعي والوسائل المتخصصة والمهتمة بالصحة بنصائح وإرشادات واجب اتباعها لصحة أفضل. تميل السياسات الصحية أكثر وأكثر صوب الصحة العامة والصحة الوقائية والمجتمعية في عصرٍ تشحُ فيه الموازنات الصحية والموارد وتكثر فيه آفات سلوكيات الحياة وتغييرات المناخ وهشاشة صحة اللاجئين والمهمشين ومعظم سكان بلاد الاقتصادات الركيكة.


يصرف العالم 6.5 تريليون دولار على الصحة، ويُصرف على صحة الفرد بالسنة 8362 دولاراً (الأعلى في العالم في الولايات المتحدة الأميركية)، و12 دولاراً في أريتيريا (الأدنى في العالم). يقع لبنان في منزلة متوسطة بمبلغ 987 دولاراً.
كلما زاد الاستثمار المدروس في الصحة كلما طال عمر الفرد وتحسن مستوى صحته وسلامته على العموم، وكلما تضاءلت ميزانيات الصحة كلما خسر الفرد من صحته وسني عمره. إن لفارق ألف دولار (من ألف الى ألفين) في مصروف الصحة على الفرد يؤدي الى إطالة عمره بعشر سنوات في أغلب الأحيان بحسب توقعات منظمة الصحة العالمية.
لكن واقع الحال لا يبشر بالخير، إذ تشير التوقعات الى أن المصروف العالمي على الصحة سيرتفع الى ثلاثة أضعاف ليبلغ 18.3 تريليون دولار عام 2040 تاركاً خلفه دولاً وحكومات عاجزة عن الالتزام باستثماراتها الصحية وتلبية حاجات مواطنيها في الرعاية والوقاية. وسيكون هناك ما يقارب 35 دولة غير قادرة على تأمين 86 دولاراً فقط لرعاية صحية أولية للفرد الواحد. وستجد حكومات عديدة نفسها أمام مصادر تمويل للصحة شحيحة أو مفقودة ستضطر معها الى تحميل المواطن أكثر وأكثر جزءاً متزايداً من الفاتورة الصحية. في السنوات القادمة سيدفع بعض سكان العالم (جنوب آسيا، الشرق الأوسط، وأفريقيا) من جيوبهم ما بين 30 و51 بالمئة مقارنة مع 11.4% فقط عند مواطني الدول الأوروبية الغربية.
عادة ما كانت الدول المعوزة تستنجد بالمعونات والصناديق الدولية لسد عجزها والتخفيف عن جيوب مواطنيها، يبدو ذلك صعباً هذه الأيام مع عصر وتقليص الإنفاق الدولي كما سيحدث في لبنان مطلع هذا العام بخصوص تمويل رعاية صحة النازحين السوريين على سبيل المثال.
أمام هذه التوقعات (الغير فلكية) الواردة في دراسة حديثة في مجلة لانست المرموقة، لا بد من القيام بالأعمال الصحية بطريقة مختلفة وشفافة، وبزيادة الاستثمار في الوقاية وبتقليل التدخلات والإجراءات الطبية غير المجدية وإشراك الفرد في المسؤولية الصحية الوقائية. فأمام ارتفاع أعداد مرضى السكري الى 642 مليون عام 2040، وأعداد من هم فوق الـ65 سنة الى 6.4 مليون بعد عامين، وإصابة 74.7 مليون شخص بالخَرَف ومشاكل الصحة العقلية، لا بد للفرد من المساهمة بتحسين صحته رغم التحديات والصعوبات التي تمنعه من ذلك، قبل ان يأتي ذلك الْيَوْمَ -القريب جداً- ولا تجد العلة سبيلاً للعلاج.
لكن ليست الوقاية خطوة واحدة ولا تعني بالضرورة مصروفاً أقل، فإحضار مليارات البشر الى العيادات لإخبارهم بأمراض أو مخاطر لا يدرون بها قد يكلف الكثير، وغير ممكن بالدرجة الأولى. لكن هناك جوانب من الوقاية "ببلاش" وتحمي من مخاطر الاعتلال. صدق أو لا تُصدق.
أطلقت منظمة الصحة العالية بهذا الخصوص مجموعة نصائح تحت مسمى #إختار الصحة. اثنتا عشرة وصية غير مكلفة وغير معقدة قد يكون من السهل العمل بها اذا وجدت النية والجدية لأخذ زمام الصحة بيد الفرد بعيداً عن التضحية بها أمام الانحدار السياسي والاقتصادي والبيئي الحاصل.
تشمل هذه الإرشادات، النظافة الشخصية، الجنس الآمن، الرياضة، الوجبات الصحية، اللقاحات، التعامل مع السترس، عدم التدخين، التقليل من تناول الكحول أو عدمه، الإرضاع من الثدي، الفحوصات الدورية، حزام الأمان، وعدم القيادة تحت تأثير الكحول. لا تنتمي هذه الإرشادات الى "علم الصواريخ" أو "إعادة اختراع الدولاب"، ولا تستوجب ميزانية خاصة أو أموالاً غير موجودة، بل هي عموماً "بالبلاش"، وقادرة فعلاً أن تمنع أو تُقلل مخاطر الإصابة والعلة بشكل ملموس وتحسن وتطيل الحياة. فأمام حقيقة أن ٨٠٪؜ من حالات السرطان والأمراض المزمنة ممكن منعها بالتوعية الصحية، وأمام معلومة أن ملايين الحالات من الالتهابات الجنسية يمكن أن لا تحدث أبداً، وأن الالتصاق بالكرسي "علة غير معلنة"، لا بد من المحاولة والالتزام.
لا تبدو مصادر تمويل الصحة واعدة، ولا يوحي سلوك الحكومات بحفاظها على دعم رعاية صحة مواطنيها، وبين الصرف على الصحة والصرف من الصحة، اختارت حكومات عديدة ما يستنزف ويستهلك آخر معاقل كيان الفرد، الصحة، وكل عام والصحة بخير.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحة جنسية