دخل العديد من الأطباء عالم السياسة لكن قلة منهم أدخلوا معهم الصحة إلى السياسة. هناك العشرات من حملة شهادات دكتور في الطب في برلمانات ومجالس شيوخ، وتحت قبة البرلمان اللبناني، ونادراً ما تجد اقتراحاً لاستراتيجيات أو لسياسات صحية مجدية أو تعديلاً لقانون أو تحديثاً لتشريع يواكب التطورات العلمية أو يحاكي معاناة الناس الصحية. تضع استطلاعات الرأي الأطباء فوق المحامين ورجال الدين لناحية ثقة المجتمع بهم كقيمة علمية وإنسانية، لكن ذلك لا يُترجم في مداولات اللجان النيابية أو النقاشات التشريعية.


خلال دراساتهم الطويلة والمضنية، يتعلم الأطباء الأساس العلمي للرعاية الصحية، والتعاطف مع المريض، وممارسة أعلى درجات المسؤولية والأخلاق، لكنهم لا يتعلمون حنكة التعاطي والتعامل في قضايا الفضاءات العامة والسياسات الصحية. أرسى أبقراط في قَسَمه الشهير نظرة سياسية للطب وممارسة تتعلق بسلامة وعافية الفرد والمجتمع. بعده، في 1762 جاء جان جاك روسو بفلسفة العقد الاجتماعي مبيّناً ـ بإسقاطه على الطبيب ـ بضرورة وضع الفرد والمقدرات في خدمة رفاهية وتقدم المجتمع. استخدم الباحثون فلسفة العقد الاجتماعي ليحددوا أربعة واجبات للطبيب تجاه الفرد، ومهنة الطب، والعامة، والحكومات.
كان ابن سينا طبيباً وباحثاً وفيلسوفاً وحكيماً وموسيقياً وشاعراً، وحكمت مؤلفاته علم الطب لمئات السنين. كان تشي غيفارا طبيباً وبطل تحرير كذلك جورج حبش على سبيل المثال. غادر قلة من الأطباء ليخدموا ويطببوا ويحرروا الشعوب المعدمة والفقيرة، بينما بقي غالبية الأطباء أسرى جدران عياداتهم، ولَم ينخرطوا قط في نشر علمهم وتوعية العامة في المجتمع بأمور الوقاية واستعمال الخدمات الطبية وتعزيز الصحة أو تحسين واقع الحال، على غير انسجامٍ مع رسالتهم ومع العقد الاجتماعي المُقترح. يعتبر البعض الموضوع "تضييع وقت"، أو يتأفف الآخر "مش شغلتي"، ويضيف منهم "هذه أمور ما الها عازة". ليس متوقعاً أن تخرّج كليات الطب ساسة، إنما أطباء يتمسكون بسلامة الناس ووكالة الناس. والسؤال الذي يلي هو من يساهم بتوعية الفرد والمجتمع والحكومات والمشرعين إذا لم يقم الأطباء بذلك؟ أهل الثقة وأصحاب العلم الواسع والمتفاعلون يومياً مع الناس في أضعف وأدق أحوالهم.
لم ينخرط بذلك المسار الأطباء المشتغلون بالسياسة الذين غلبت عقائدهم أو ميولهم السياسية على ثقافتهم الطبية والعلمية. تشير دراسة عن أطباء دخلوا الكونغرس الأميركي وكانوا من أشد المعارضين لممارسات وتشريعات طبية كانوا يمارسونها في عياداتهم الخاصة وتتعلق بصحة الأمهات والأمراض المزمنة أو المستحكمة قبل استفحالها. كذلك في ما يتعلق بأحكام ضحايا الاغتصاب والإعدام وخطة أوباما للرعاية الصحية.
تتشابه المسألة أيضاً في لبنان وعدد من الدول لجهة التردد والحسابات السياسية عند غالبية الأطباء السياسيين لجهة دفع ودعم وإقرار قوانين تتعلق بالرعاية الصحية الشاملة، بزيادة موازنات الصحة، والشيخوخة، والشفافية الصحية والدوائية. بل على العكس، كان الدعم متوفراً لمؤسسات صحية وتقديمات رعائية في خدمة أهداف سياسية وانتخابية تماماً كما تقتضي مصالح السياسيين المحترفين.
آن الأوان لوضع المسائل الصحية في البرامج السياسية والانتخابية، من تلك التي تعزز صحة الفرد إلى تلك التي ترفع من صحة المجتمع. من حق الوصول إلى الرعاية إلى عدالة الحصول عليها إلى تعديل قوانين تمسّ النساء في حملهنّ وإجهاضهن وأمومتهن وإجازاتهن، إلى الحد من تزويجهن تحت الـ18 عاماً، إلى محاكمة معنِّفيهن ومغتصبيهن والمتحرشين بهن. على الأجندات أن تشمل أيضاً شمولية وديمومة الخدمات الاستشفائية لا موسميتها وضبط الحقوق الصحية للفرد عند هيئات التأمين المختلفة (موقف الشركات من الاعتلال المزمن)، والتمادي في الاستطباب، والصحة النفسية، وتسعير الأدوية الضرورية، ودور الدولة في الرعاية والمراقبة والتدخل، وتطوير النظم الصحية المناسبة لواقع الناس والمجتمع. أمور عديدة ومختلفة تشغل الحكومات والبرامج السياسية في أغلب بلدان العالم.
ليس من الواضح ما تحمله غالب القوى السياسية في برامجها من رؤى لصحة العامة وصحة المجتمع. وليس مؤكداً ما إذا كان الأطباء المشتغلون بالسياسة مع تلك القوى حاولوا أو تمكنوا من إدخال أفكار صحية عصرية على تلك البرامج لتحسين صحة السياسة، أو دفعوا بعلومهم الطبية الى داخل ملفات التشريع والقوانين، أو وضعوا الصحة قبل السياسة لا لأجلها.
بالأمس القريب حمل البرلمان البريطاني إلى مقاعده تنوعات غنية تعكس كل فئات المجتمع لتكون أصواتهم مسموعه وتطلعاتهم قابلة للتحقيق، ومنها الصحية والطبية.
يقضي نموذج العقد الاجتماعي المذكور أعلاه التزام الطبيب واجباته الأربعة حيث ثالثها منفعة الناس والمجتمع ورابعها التأثير في سياسات الحكومة الصحية. كل الأمل أن يجعل الأطباء "السياسيون" من السياسة مجالاً أكثر صحة وأكثر عافية، لا أن تجعل السياسة من الطب مجالاً أكثر اعتلالاً وإعاقة.
يقول "طبيب الأطباء" السير وليام أوسلر إن الطب فن وليس تجارة، إنه رسالة لا عمل، رسالة ينخرط فيها القلب تماماً كما ينخرط فيها الدماغ.
الحاجة واضحة إلى صحة أكثر في جسم السياسة.

* اختصاصي جراحة نسائية وتوليد وصحة جنسية