بعد مقال الأسبوع الفائت عن «صحة للسياسة»، علّق بعض المتابعين من خارج البلد بإيجابية، مقترحين التطرق إلى المسألة من ضمن الواقع اللبناني. الموضوع أساساً يتعلق بمبدأ إدخال قضايا الصحة بمختلف جوانبها في الهم السياسي والبرامج السياسية والتغيير السياسي البنّاء، مع الأخذ بعين الاعتبار تجارب الأطباء الجديرة بالعبرة والاعتبار من الذين تبوأوا مناصب سياسية رسمية كالدكتور إميل البيطار والدكتور اسماعيل سكرية، وآخرين ممن نشطوا في العمل الأهلي. أبعد من ذلك هو استراتيجية وضع الصحة في مصاف القضايا الوطنية في لبنان والعالم.


كما تساءل البعض الآخر من. داخل البلد: لماذا يجب على الأطباء أن يكونوا دعاة للصحة، ولماذا عليهم أن ينخرطوا في صنع وتحديد أشكال السياسات الصحية؟
للطبيب الشهير، رودولف ڤيرشو، أب علم الأمراض، قول يعود لأكثر من مئة عام مفاده أن الأطباء وكلاء الفقراء، والمشاكل الاجتماعية تقع بالتالي ضمن نطاق سلطتهم أو حقّهم. فالأمراض والاعتلالات من أيّام الطبيب ڤيرشو حتى يومنا هذا ناتجة من تغييرات وإجراءات اجتماعية بقدر ما هي ناتجة من خلل بيولوجي وفيزيولوجي. فأحوال السكن العشوائي والمعاش والأمن الغذائي والتربية وظروف العمل والبطالة والتوتر اليومي والتعصيب والعنف ومشاكل السير وسلامة الطرق والتلوث البيئي وغياب التنمية والسياسات الاجتماعية، تفعل فعلها يومياً بسلامة الفرد وتنهال على صحته بشتى العلل والاضطرابات. كل ذلك يعتبر ارتكابات بحق صحة الفرد التي يُفترض بالطبيب أن يكون الوكيل والمدافع عنها. كما وينتفض الفرد إزاءها لبعض الوقت ثم يُطلب منه الهدوء.
في الواقع انتقل العالم من زمن اجتماعي وسياسي الى زمنٍ آخر، وانتقلت معه الأمراض من كونها مُعدية الى كونها مُزمنة وسلوكية. زمن لم يعد ينفع معه حلول العالِم جون سنو الذي مَنَع الكوليرا في لندن بتغيير مقبض مضخة. زمن لم يعد فيه الطبيب "الغاطس" داخل عيادته قادراً على منع البدانة وعواقبها المرضية، وسرطان الرئة، وضحايا الاكتئاب، والتلوث والسير وغيرها. فقط سياسات وتشريعات يساهم فيها بعض الأطباء على مستوى السكان يمكن أن تُحدث بعض الفرق.
يزداد النقاش وتكثر الأبحاث حول دور الطبيب وتثقيفه بما يتعلق بالمحددات الاجتماعية للمرض وحاجات المريض أبعد من التشخيص والعلاج. يعلم الطبيب تماماً عدم قدرة مريضه على شراء الدواء أو على إجراء عملية ما أو تغيير ظروف معيشته ليخفف من المخاطر على صحته. قد يتفاعل ذلك الطبيب مع ظروف مريضه أو لا (حسب خلفية الطبيب)، لكن مناهج الطب المجتمعي وعلاقة تلك الظروف بالمرض تجعل من الأطباء أكثر تحسساً وقدرة على وصف العلاج. يسعى الطبيب لتسهيل أمور مريضه قدر الإمكان وبحسب موقعه وعلاقاته، بيد أن هناك مرضى آخرين ليسوا محظوظين بعلاقاتهم، وحتى لا يقدرون على الوصول إلى الرعاية.
«لازم تخفف سكر وخبز» حيث لا يتوفر ولا يُشبع إلا الخبز الذي لا يعرف المريض نوعيته. «لازم نخفف تعصيب ونرفزه»، وكل تفاصيل حياته تؤدي الى التوتر والغضب والارتكاب، «لازم توقف دخان»، ولا تكتمل جلسات المرح القليلة الا بحضور النراجيل، التي إذا ما لثمها اكتنفه ضبابها رغماً عنه. هذه بعض أمثلة من الصراع بين ما يجب أن يكون وما لا يمكن أن يكون، إذا ما أُخذت الصحة ومحدداتها الاجتماعية ودور الطبيب التغييري على محمل الجد.
نُشرت دراسة حديثاً تناقش موضوع الرعاية الصحية والمجتمعات، مشيرةً الى ضرورة اختلاف إرشادات الرعاية باختلاف مستويات المخاطر عند المجتمعات والأفراد. وتطرح السؤال حول جدوى وجود معيار وقائي أو استكشافي واحد قد لا يناسب الجميع كلفة وفائدة. هنا أيضاً تتبين أهمية فهم خصائص المجتمعات الصحية.
من مقاعد الدراسة الى أروقة المستشفيات الى ساحات العمل العيادي، تلعب ثقافة الصحة المجتمعية دوراً أساسياً في تكوين الطبيب الداعية والمبشر، كما العمل باتجاه المساهمة في خلق سياسات، والمساهمة في أخرى، للحد من الارتكابات اليومية بحق صحة الفرد والمجتمع. هناك تجارب مشجعة ومستمرة من بعض الهيئات الطبية في لبنان وأكثر من بلد، وخطوات ممكن التماسها ومنها دفع الصحة في البرامج العامة والاجتماعية، المساهمة في تغيير مجتمعي، التعاون والمساهمة في حركات العدالة الصحية والاجتماعية، والتمسك بوكالة الناس.
في كتاب لألن باسوك عن «الطبيب الناشط: أطباء يحاربون للتغيير»، عشرة أطباء فقط وعلى مدى سنوات طويلة تَرَكُوا أثراً ملموساً في مختلف نواحي المجتمع. يعطي الكتاب بعض الأمل عن عشرات وعشرات آخرين قد يساهمون في التغيير بالرغم من عقبات الهيمنة على الصحة.
عمل الطبيب الفردي أساسي ومطلوب. المطلوب أكثر عمل الطب الاجتماعي التغييري حيث توفير الصحة وتوفير الكلفة، واقتناع الحكومات أن الصحة أداة عدالة وتغيير. فإلى الصحة در.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحة جنسية