آلاف عمليات الإجهاض الجراحي تُجرى سنوياً في لبنان رغم أن العقاب الذي تفرضه القوانين على المرأة التي تطرح نفسها ومنفذ العملية. النص القانوني يعود لأربعينيات القرن الماضي ولم يخضع لتعديل يجاري النقاش حول حق المرأة في السلطة على جسدها


إكرام شاعر
الحق في السلامة الجسدية وحق الفرد في السلطة الكاملة على جسمه حريتان ساميتان ملتصقتان، وفي الحقيقة هما وجهان لحرية واحدة، بحيث الأولى تمنع التعدي على الفرد بينما الأخرى تتيح له كامل الحرية في التصرف بجسده وفي احترامهما ضمانة لكل الحريات الأخرى.
في لبنان تغيب الإحصاءات بشأن عدد عمليات الإجهاض الجراحية، ولكن مصادر طبية تشير إلى حدوث آلاف حالات سنوياً. من جهة ثانية، فإن أحكام الإجهاض في قانون العقوبات اللبناني لم تزل «عذراء» منذ صدورها في الأول من آذار 1943، لم يمسها المشرع بتعديل. كل امرأة تطرح نفسها مجرمة، فهي تعاقب بالحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات (المادة 541 من قانون العقوبات)، وتشدد العقوبة (من سنة إلى 3 سنوات) بحق من أقدم على تطريح امرأة برضاها تأسيساً على المادة 542 من القانون نفسه. أما المادة 543 فقد نصت على حكم من سبب عن قصد تطريح امرأة دون رضاها بالأشغال الشاقة 5 سنوات على الأقل. من هنا نلاحظ أن القانون قد ميّز في العقوبة بين الإجهاض الرضائي فاعتبر جنحة، والإجهاض غير الرضائي حيث اعتبره جناية. أما الإجهاض الذي يفضي إلى موت المرأة فهو جناية في كل الأحوال، يُعاقب بالأشغال الشاقة من 4 إلى 7 سنوات في المادة 542 ولا تنقص العقوبة عن عشر سنوات في المادة 543.
لجريمة الإجهاض ركنان: مادي ومعنوي. الأول يتألف من المسلك الإجرامي وهو أي وسيلة إيجابية أو سلبية، مادية أو معنوية تفضي إلى الإجهاض، ومن النتيجة الجرمية أي عملياً إسقاط المرأة حملها. إلا أن جريمة الإجهاض قد تقع ولو لم يخرج الجنين من رحم أمه، كما لو حقنه الطبيب وهو في الرحم بحقنة قاتلة. اختلف رجال القانون في تحديد الإجهاض ففرض البعض اجتماع أمرين: موت الجنين وخروجه عاجلاً أو آجلاً من رحم أمه، هذا بالإضافة إلى العلاقة السببية التي تربط بين مسلك الفاعل الإجرامي والنتيجة الجرمية المنسوبة إليه. أما الركن المعنوي فيتكون من القصد الإجرامي وهو إرادة ارتكاب الجريمة مع العلم بكونها معاقباً عليها في القانون.
إزاء التشدد في أحكام الإجهاض، حيث يعاقب حتى من يعمل على نشر وسائل الإجهاض أو توزيعها أو تسهيل استعمالها، وكذلك من يبيع أو يعرض للبيع تلك الوسائل بالحبس والغرامة وفق المادتين 539 و540 من قانون العقوبات، يرخي الجانب الاجتماعي بظله الثقيل في المادة 543 حيث تستفيد من عذر مخفف ليس فقط المرأة التي تطرح نفسها محافظة على شرفها، بل أيضاً من يقدم على ذلك حفاظاً على شرف أحد فروعه أو قريباته حتى الدرجة الثانية حتى لو قام بالإجهاض قصداً ومن دون رضاها.
بين النص القانوني وما يشهده الواقع هوة سحيقة. رغم أن المادة 546 تشدد العقوبة إذا قام بالإجهاض طبيب أو جراح أو قابلة أو صيدلي، وكذلك الأمر إذا كان الفاعل قد اعتاد بيع العقاقير والمواد المعدة للتطريح، ويمنع الفاعل من مزاولة عمله أو مهنته.
يمكن أن «تمرر» عمليات الإجهاض تحت ذريعة الإجهاض العلاجي غير المنصوص عليه في القانون صراحة، والمشروط أن يكون الوسيلة الوحيدة لإنقاذ حياة الأم، وأن يستشير الطبيب المعالج طبيبين يوافقان معه على التوقيع خطياً على 4 نسخ بعد الكشف الطبي، وإرسال محضر لا يحمل اسم المريضة إلى رئيس مجلس نقابة الأطباء، ويجري الإجهاض بناءً على موافقة الحامل بعد إطلاعها على الوضع، ويمكن الطبيب أن يجري الإجهاض في حالة الخطر الشديد، إذا كانت المرأة فاقدة الوعي، حتى لو عارض زوجها أو ذووها. في هذا الإطار، يشار إلى أن القانون الفنلندي الصادر عام 1881 هو أول قانون يبيح الإجهاض إنقاذاً لحياة المرأة.
تختلف وجهات النظر حول الحق المعتدى عليه في جريمة الإجهاض، فالبعض يعتبر أن الجريمة واقعة على سلامة المرأة الحامل، أو على السلالة التي ينتمي إليها المواطن، والبعض الآخر يعدها جريمة واقعة على الأسرة أو اعتداءً على حق الجنين في
الحياة.
في القانون اللبناني، إن إشكالية حق الإجهاض ليست مجرد شد حبال بين مؤيدين يحاربون على جبهة الحرية التامة للمرأة في اختيار الأمومة وتوفير القدرة لها على الانصراف إلى حياتها المهنية، ومعارضين يرون في الجنين كائناً حياً وفي الإجهاض قتل نفس بريئة. بل هي مسألة أخلاقية بما أن الإجهاض مدرج ضمن الباب السابع المعنون: في الجرائم المخلة بالآداب والآداب العامة. لكن هذا الحرص على إبعاد شبح «الخراب الاجتماعي» الذي قد ينشأ عن عملية السماح بالإجهاض، الذي حمل لواء إباحته بالمطلق لأول مرة القانون الدنمركي عام 1933، تقابله حالة من الفصام برأي بعض المحامين والمنظرين القانونيين، وذلك من خلال تعارض روح النص الجزائي مع فحوى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي يلتزم بها


تستفيد من عذر مخفف المرأة التي تطرح نفسها محافظة على شرفها!
لبنان تأسيساً على الفقرة ب من مقدمة الدستور اللبناني. فلبنان قد أبرم الاتفاقية الدولية للقضاء على أشكال التمييز ضد المرأة سنة 1996 التي دخلت حيز التنفيذ عام 1981 متحفظاًً على المواد 9، 16، و26 منها. المادة 16 الفقرة (هـ) تنص على حق المرأة بحرية وإدراك للنتائج أن تحدد عدد أطفالها والفاصل بين الطفل والذي يليه وفي الحصول على معلومات والتثقيف والوسائل الكفيلة بتمكينها من ممارسة هذه الحقوق، لكنه لم يتحفظ على المادة 12 التي تنص على حق المرأة في الحصول على خدمات الرعاية الصحية، بما في ذلك الخدمات المتعلقة بتنظيم الأسرة، ويمكن السؤال ألا يدخل الإجهاض ضمن هذا الإطار؟ كما يمكن طرح سؤال أيضاً عن مدى قانونية التحفظات في ظل المادة 28 من الاتفاقية حيث لا يجوز إبداء أي تحفظ يكون منافياً لموضوع هذه الاتفاقية أو غرضها.
تجدر الإشارة إلى أن رجال القانون يعتبرون أن الحق في رفض الإنجاب، أي ممارسة الحق في إعطاء الحياة، هو الوجه الآخر للحق في الحياة المكرر في المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 والمادة 6 من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، ومع ذلك فقد انتظر المشرع حتى صدور المرسوم الرقم 112 / 1983 ليلغي المواد 537 و538 من قانون العقوبات التي تعاقب كل من أقدم على وصف أو إذاعة الأساليب المانعة للحبل أو من باع أو عرض أو اقتنى بقصد البيع أياً من المواد لمنع الحبل.


نحو محاربة التمييز في العملحددت المادة 28 من قانون العمل إجازة الأمومة للعاملات في القطاع الخاص بنحو 7 أسابيع، والمادة 38 من المرسوم الاشتراعي الرقم 112 والمعدلة بموجب القانون الرقم 48 قد حددت الإجازة للموظفات في القطاع العام بستين يوماً.