لم تمرّ مغادرة ديتليف ميليس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 من دون هزّات ارتدادية بعدما ذكر في تقريره أسماء مسؤولين سوريين اشتبه بهم، وأورد أسماء شهود من دون وجود برنامج لحمايتهم، الأمر الذي أثار أسئلة عن مهنية عمله. تاريخ ميليس مليء بالتجاوزات، فلماذا وقع الاختيار عليه للتحقيق باغتيال الحريري؟



إكرام شاعر
ارتبط اسم النائب العام البرليني ديتليف ميليس بقضايا شهيرة، كاغتيال زوجة عصام العطار (إخوان مسلمون) في بون، حيث وضع الاستخبارات السورية في قفص الاتهام، واغتيال الدبلوماسيين الإيرانيين ممثلي الحزب الديموقراطي الكردستاني عام 1992، حيث وجه أصابع الاتهام إلى النظام الإيراني، لكن أشهرها على الإطلاق قضية مقهى «لابيل» في برلين الغربية حيث انفجرت عبوة ناسفة ليل 5/4/1986 أودت بحياة عنصرين من القوات الأميركية وامرأة تركية وأكثر من 200 جريح وأعقبها قصف مدينتي طرابلس وبنغازي بأمر من الرئيس الأميركي ريغان، ما أودى بحياة عشرات الليبيين. ولم يخل التحقيق من «الأساليب الملتوية»، كالاعتماد الحصري على أقوال الشهود لبناء الأحكام، وعقد اجتماع مع أحد المتهمين في مالطا ووعده بتخفيف الحكم عليه لاستخدامه في إدانة المتهمين الآخرين خلافاً للقانون الألماني. ولم تنجلِ «الحقيقة» إلا عام 2001، فحكم على الليبي مصباح العتر واللبناني علي شناع وزوجته السابقة فيرينا والفلسطيني ياسر شريدي بالسجن بين 12 و14 عاماً لضلوعهم في الجريمة، في ضوء مرافعة ميليس التي قال فيها «إن تهمة إرهاب الدولة على ليبيا قد أثبتت»، متمادياً في الابتعاد عن الاتجاه الجنائي القانوني وتحميله المسؤولية الجرمية لجهة دون سواها. فقد ورد في صحيفة الاتهام الموجهة منه إلى محكمة برلين 1996 أن المتهمين قاموا بعمل مشترك بخبث وغدر، ومع سابق الإصرار والتعمد وبكل استهتار وتهاون بتفجير شحنة متفجرات، لتخلص إلى أن تدبير الجريمة التي لها خلفية الإرهاب الدولي جرى بواسطة الدوائر الليبية في وطنها.

الشاهد ـــــ الملك رجل استخبارات

بسبب القرب الزمني بين «لابيل» وتفجير الجمعية الألمانية العربية في برلين، الذي تولى ميليس التحقيق فيه معلناً مسؤولية الاستخبارات السورية، اتهم بادئ الأمر أحمد هازي وصديقته غابرييلا أندريجكات، وحكم عليهما بالحبس 14 عاماً. لكن القضية حفظت لعدم كفاية ألأدلة. انهيار جدار برلين أنقذ آمال المحققين بحل قضية «لابيل» من الانهيار، ففي أواخر 1989 هرب رئيس مجموعة العمل الخاصة بالأجانب الشاهد نيجاند إلى ألمانيا الغربية، وأدلى بما يعرفه في القضية. ثم وظف ميليس علاقاته المتشعبة مع جميع أجهزة الاستخبارات، فتوصلت أجهزة التحري إلى ملفات وزارة أمن الدولة لألمانيا الشرقية واستخباراتها (الشتازي)، وقادت تقارير الشاهد بورشادرت عضو دائرة برلين 2 إلى «الشاهد الملك» علي شناع الذي كان يعمل لمصلحة الشتازي منذ 1984 عبر ضابطه التوجيهي بورشادرت لمراقبة الليبيين. وقد استمعت إليه المحكمة بصفته متهماً، فأدار دفة التحقيق، بل عمد إلى تضليله، وادعى أمام الشرطة وقاضي التحقيق عام 1990 أن شريدي وضاهر فاعور قد أخبراه بأن الأخير هو من قام بالتفجير، فأُوقف فاعور ثم أُطلق سراحه 1991 لعدم كفاية الأدلة. وخلال استجوابه عام 2000، قال إنه في منتهى الأسف لأنه أدان فاعور من دون وجه حق بحجة أن الدفاع عنه آنذاك وبعد مفاوضات مع النيابة العامة التي يمثلها ميليس أكد له أن أي أقوال ضد فاعور كفيلة بإخلاء سبيله. فضلاً عن أنه حجب دوره ودور زوجته وأختها في الجريمة لجهة تعتيمه على مصدر الورقة التي دونت فيرينا فيها أسماء 3 مراقص اقتُرح تفجيرها، من بينها «لابيل». وبعد المعرفة التامة بأقوال العتر، أدلى شناع بأقوال مطابقة لاعتراف العتر. وهنا تطرح علامات استفهام حول قانونية معرفة شناع بإفادة العتر، إذ لم يكن العتر قد واجهه بها.

متهم رئيسي يتحول إلى شاهد

رفع أمر التوقيف الصادر بحق العتر عام 1990بما أن أقوال شناع التي تدينه لا يمكن الأخذ بها إذا لم يؤكدها مصدر آخر. لكنه استُجوب في مالطا في 11/9/1996 بحضور السفير كونتر، النائب العام ميليس ومفتش المباحث الجنائية أوفه فلهلمز حيث أدان نفسه بوضوح، وقدم اعترافات كاملة عن أدوار المتهمين، فتحول من متهم إلى شاهد إثبات لمصلحة النيابة العامة. فقد كان العتر متهماً باغتيال جبريل دينالي في بون والعميل الأميركي الليبي محمد عاشور بالاشتراك مع الشريدي في برلين. ميليس وعد المتهم بتخفيف الحكم عليه، وهذا إجراء لا يجيزه القانون الألماني في حالة المتهمين بالقتل عمداً. وأفاد العتر بأن تنظيم العملية قام به شريدي مع زملائه الفلسطينيين. أما التجهيزات، فقد جاءت من ليبيا، حيث تلقى المكتب الشعبي ـــــ السفارة الليبية في برلين 12 كلغ من المتفجرات أحضرها مصباح الأباني بالحقيبة الدبلوماسية. وترى صحيفة الاتهام الآنفة الذكر أن أقوال العتر مؤكدة بأدلة إثبات موضوعية، ولا سيما المكالمات اللاسلكية بين المكتب في برلين ووكالة الأنباء الليبية في طرابلس التي حصلت عليها وكالة الأنباء الألمانية. والحقيقة أن وزارة أمن الدولة كانت تجتهد لاختراق شفرة التخاطب بين برلين وطرابلس، حيث نجح الشاهد ديتريش عام 1989في الحصول على أحاديث مسجلة، لكن مساعي الاستخبارات الغربية كانت قد تكللت بالنجاح في هذا المجال أوائل 1986، فيما تلقت استخبارات الولايات المتحدة معلومات موثوق بها عن تعليمات من الحكومة الليبية إلى المكتب الشعبي للقيام بعمليات إرهابية ضد مواطنين أميركيين وقامت بناءً عليه بتحركات على مختلف الجبهات. ويؤكد مطّلعون على الملف أنه ليس من المستبعد أن يكون قد جرى التلاعب بالمكالمات في ظل الوجود الاستخباراتي الكثيف، إذ كيف يمكن المكتب الليبي، من دون أي حرص، أن يبرق إلى طرابلس، وفي يوم التفجير نفسه بالنص الآتي: «اليوم، على تمام الساعة 1:30 صباحاً نفذت العملية بنجاح من دون ترك أثر»؟ لكن شهادة الإثبات لم تشفع للعتر؛ إذ اعتقل في روما عام 2000 وسلم إلى ألمانيا حيث قضت المحكمة بسجنه 14 عاماً.

تسليم الشريدي


وعد أحد المتهمين بتخفيف الحكم عليه إذا أدان متهمين آخرين خلافاً للقانون

على خلفية أقوال شناع والعتر، طلبت السفارة الألمانية في بيروت في مذكرة دبلوماسية عام 1993 تسليمها الشريدي. وسبق أن طلبت ذلك أيضاً في تاريخ سابق لاتهامه بقتل مصطفى العاشق المعارض للنظام الليبي في برلين. لكن محكمة جنايات لبنان الجنوبي حكمت عليه بالبراءة في هذه القضية. وخلال النظر في هذا الطلب، حضرت بعثة ألمانية، فحقق معه ميليس في مكتب قائد الشرطة القضائية اللواء عصام أبو زكي وبحضوره. وتمحورت معظم أسئلته حول لابيل، لكن المتهم أنكر علاقته بالحادث. وفي عام 1996 سمحت الحكومة اللبنانية بتسليم الشريدي، شرط عدم ملاحقته بجريمة قتل العاشق وعدم تسليمه إلى دولة ثالثة (كان المقصود بها الولايات المتحدة). ومن المفارقات أن المحامي العام لدى محكمة التمييز مراد عازوري في تقريره عن طلب الاسترداد الموجه إلى النائب العام عدنان عضوم قال إنه يمكن استخلاص إشارة واضحة إلى أن تكون أجهزة الاستخبارات الليبية وراء تنفيذ الجرم، وإن هناك «قرينة قوية على صحة ما نسب للمطلوب استرداده». إلا أنه عاد وصرح لمجلة فرنتال الألمانية بأن القضاء اللبناني لم يحصل يومئذ على أدلة تثبت تورط الشريدي وأن المعلومات التي قدمها الألمان كانت ترتكز على إشارات لا على أدلة واضحة.


ميليس وعميل الموساد

أشارت صحيفة الاتهام إلى أن حمدي أبو جابر، المسمى محمد عمايري، قُبض عليه في النروج 1991 لعلمه مع أخيه محمود بوجود المتفجرات في مقهى لابيل في برلين، بينما يلاحظ تقرير مراد عازوري أنه لم يتبين أن السلطات الألمانية طلبت استرداده من النروج بعدما تراجع ميليس عن ذلك، وقبل أن يقر محامي عميري بأن الأخير عميل للموساد. كذلك لحظ التقرير أن في استجواب المتهم عماد محمود المقتضب، الذي أُخفيت المتفجرات في مسكنه في كرويتزبرغ في برلين لم يستوضح منه الجوانب الغامضة من القضية، ولا سيما في ما يتعلق بما هو منسوب إلى شريدي. وقد طلبت السلطات اللبنانية أكثر من مرة من الجانب الألماني تزويدها بنتائج ملاحقة محمود وصورة مصدقة عن تقرير خبير المتفجرات الذي عاين المكان بعد الجريمة. فلماذا لم تتجاوب السلطات الألمانية مع طلب القضاء اللبناني بخصوص عماد محمود؟ وما كان دور ديتليف ميليس في ذلك؟ ولماذا تراجع ميليس عن طلب الاستماع إلى عميل الموساد محمد عمايري؟