سُجِّلت حتى شهر أيار 74 حالة بزيادة 24 على العدد المسجّل في الفترة ذاتها من 2007


رشا حطيط ـــ رضوان مرتضى

يخرج رجل في العقد السابع من منزله صباحاً، يطلب من الناطور أن يحضر له علبة سجائر، ينفّذ الأخير ما طُلب منه. وأثناء ذلك، يسمع صوت إطلاق نار، يلتفت ليجده ممدداً على الأرض.. لقد أطلق النار على رأسه... انتحر.
هذه الحالة ليست وحيدة على الأراضي اللبنانية التي تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في عدد المنتحرين ومحاولي الانتحار المسجّلين لدى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. فقد أحصت هذه المديرية حتى نهاية شهر أيار الفائت 74 حالة انتحار، بزيادة 24 حالة جديدة على العدد المسجّل في الفترة ذاتها من عام 2007. هذا الفارق الكبير يدفع إلى التساؤل عن مدى تأثير الوضع الاجتماعي والأمني والسياسي على ارتفاع النسب في حوادث الانتحار. وقد دفع هذا الارتفاع بالبعض إلى توجيه إصبع الاتهام إلى المسؤول عن تردّي الوضع المعيشي وتدهور الوضع الأمني، على اعتبار أن هذين العاملين ساهما، بشكل أو بآخر، في تأجيج فكرة الانتحار لدى معظم من انتحر أو حاول ذلك (بحسب نظرية الإحباط الاجتماعي).
الأسبوع الأول من شهر حزيران الجاري شهد 10 حالات انتحار ومحاولة انتحار، أربعة أشخاص منهم فارقوا الحياة، بينما لا يزال 4 آخرون يصارعون الموت في المستشفيات، فيما نُقِل اثنان إلى مستشفى للأمراض العصبية والعقلية. أصغر المنتحرين فتاة تبلغ 18 عاماً قضت على أثر تناولها مادة سامة. أما أكبرهم سنّاً فيبلغ من العمر 70 عاماً، وقد توفي بعدما أطلق النار على رأسه أمام منزله قرب مبنى الضمان الاجتماعي في وطى المصيطبة. ويضاف إلى الرقم أعلاه ضحية جديدة، فقد عُثر أول من أمس على جثة مجهولة على شاطئ السعديات وإلى جانبها قارورة سم.
«منذ مدة قضى رجل احتراقاً في باكستان، بعدما أضرم النار في نفسه احتجاجاً، أمام مبنى للأمم المتحدة. أنا سأكون الثاني، لكن في لبنان». كلام نُقِل عن الشاب العراقي جلال على لسان أحد أصدقائه. جلال الذي كان، يوم 2/06/2008، قد حاول الانتحار أمام مكتب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين الكائن في فردان، عبر صبّ كمية كبيرة من البنزين على جسمه محاولاً إشعاله.
لم يحقق جلال مبتغاه، فهو لا يزال اليوم على قيد الحياة بعدما استطاعت القوى الأمنية منعَه من إحراق نفسه، ووضعته بناءً على إشارة القضاء في مستشفى للأمراض العقلية والعصبية. لم ينجح جلال في الانتحار، لكن هل نجح في إيصال رسالته؟
تعددت الروايات في شأن ما حصل. فمصادر المفوضية تقول إن جلال يعاني أمراضاً عصبية، ولم يكن في كامل وعيه عندما حاول الانتحار. في المقابل، ينفي عدد من أصدقاء جلال مزاعم المفوضية، منطلقين من مقولة «ما الذي أجبرك على المرّ إلا الأمرّ منه»، حيث اعتبر أحدهم أن جلال أراد إيصال رسالة إلى العالم ليلفت نظرهم فيها إلى حجم المعاناة التي يقاسيها، والتي يرى أن الموت حرقاً أهون من الاستمرار معها.
رسالة مشابهة تقريباً لتلك التي حاول جلال إيصالها، إلا أن الثانية أتت من صيدا. فمنذ عدة أيام، تسلّق رجل نصباً موجوداً في ساحة النجمة، وهدّد برمي نفسه من أعلى. استمر التفاوض معه لنحو ساعتين لإقناعه بالنزول من دون جدوى. بعد ذلك، استطاع أحد الموجودين التسلل إلى أعلى النصب ورمي الرجل إلى الأسفل حيث كان رجال الدفاع المدني بانتظاره مع شباكهم الآمنة. تبيّن بعد الحادثة أن الرجل، وهو سائق سيارة عمومية، قام بهذا العمل، كصرخة لإظهار الضائقة التي يعانيها (مالية واجتماعية).
الحالتان المذكورتان تدخلان في إطار ما يسمى محاولة الانتحار جذباً لانتباه الآخرين. إلا أن السبب الذي دفع الشاب العشريني «علي» إلى محاولة الانتحار يختلف عن سابقيه. لقد تناول «علي» كمية كبيرة من الحبوب وخلد إلى النوم آملاً ألّا يستيقظ مجدداً، إلا أن «حظه خذله في الموت أيضاً» على حد قوله. تمكّن أهله من نقله إلى المستشفى وإسعافه. حاول «علي» الانتحار لأنه لم يستطع تحمل العبء الملقى عليه، فهو المسؤول عن والديه وأخته: «وضع البلد زفت، مديون، ما في شغل»، يعترف علي، «فقررت أن أهرب».
في حالة أخرى، كان السبب الظاهري عاطفياً. وبعد قتله للفتاة التي يحب، وإطلاقه النار على غريمه، يوم الثالث من حزيران في بيروت، حمل جندي في الجيش مسدساً وأدخل فوهته في فمه، ثم ضغط على الزناد. الموت كان فورياً.

في الاجتماع وعلم النفسعالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركهايم، نظر إلى أسباب الانتحار غير المرتبطة بالحالة النفسية للمنتحر، وقسّم المقدمين على الانتحار إلى عدة أنواع:
القسم الأوّل مدفوع بحالة من «الأنانية» التي يمكن أن يعيشها من أقدم على الفعل، والتي تؤدي إلى أن يشعر الإنسان بأنه غير ذي قيمة للمحيطين به. وينتج هذا الإحساس من ضعف الروابط الاجتماعية. أما القسم الثاني، فمدفوع بشعور معاكس تماماً لما يحس به القسم الأول، حيث يكون الإنسان مقتنعاً بأن فعل موته سيؤدي إلى تغيير في المجتمع، ويرى أنه يقتل نفسه من أجل المنفعة العامة. القسم الثالث يعيش حالة تغيير اجتماعي واقتصادي وأمني قد لا تتطابق مع طموح الإنسان. وفي هذه الحالة يأتي الانتحار كمفرّ من الحالة الراهنة في المجتمع. ويأتي القسم الأخير ليعاكس نوعاً ما القسم الثالث، حيث يشعر الإنسان بأن وضع المجتمع الذي يعيش فيه لن يتغيّر أبداً، فيقرر عندها وضع حد لحياته.

سقوط الغريبات

في لبنان، قد تنطبق حالة القسم الرابع من المنتحرين (بحسب دوركهايم)، أكثر ما تنطبق على خادمات المنازل الأجنبيات. وبين تلك الفئة المنسية، سجّلت القوى الأمنية منذ بداية هذا العام 10 حالات «سقوط» و«شنق» و«تناول مواد سامة»، أدت إلى وفاة خادمات منازل أجنبيات. وفي جميع هذه الحالات، لم تخضع القضايا إلى أي تحقيقات جدية، ليُكتَفى بتسجيلها تحت خانة «وفاة خادمة»، أو «سقوط خادمة».
وتجدر الإشارة إلى أن عدداً غير معروف من حالات ما يسمى الانتحار البديل، تُسَجّل في لبنان تحت خانة الوفاة الطبيعية أو القتل، من دون أن تكشف التحقيقات عن حقيقتها. يُذكَر أن القانون اللبناني يعاقب كل من يشارك أو يحرّض على الانتحار سنداً للمادة 553 من قانون العقوبات، التي تنص على أن «من حمل إنساناً بأي وسيلة كانت على الانتحار أو ساعده على قتل نفسه، عوقب بالاعتقال عشر سنوات على الأكثر إذا تم الانتحار».



هذه الصفحة بـ15 قتيلاً!

قراءة هذه الصفحة قد تستغرق نحو 10 دقائق، وهو الوقت الكافي لانتحار 15 شخصاً في مختلف أرجاء العالم. إذ تبيّن أن ما يقارب مليون شخصاً يموتون سنوياً بواسطة الانتحار، وأن المعدّل العالمي هو قتيل بواسطة الانتحار كلّ 40 ثانية.
وكان معدّل الانتحار قد زاد بنسبة 60 في المئة خلال الـ45 سنة الماضية. كما مثّل مجموع حالات الوفاة عبر الانتحار 1،8 بالمئة من مجموع الوفيات. أما محاولات الانتحار التي لم تؤدّ إلى وفاة فعددها يفوق بأضعاف تلك التي تؤدي إلى وفاة. وتتكرّر أحياناً محاولة الانتحار دون «نجاحها»، بينما تسجّل بعض «الإخفاقات» في التراجع عن الانتحار أحياناً. فقد يقرّر شخص حاول الانتحار التراجع عنه بعد ابتلاع كمية كبيرة من الأدوية، لكن حالته الصحية قد لا تسمح بذلك. واللافت هنا أن التراجع عن الانتحار يحدث عادة بعد اتخاذ الخطوات القاتلة لا قبلها.