بعلبك ــ عُبادة كسر

أبو منير (40 عاماً)، صاحب المختبر النقال لصناعة أطقم الأسنان، رفيقة دربه حقيبته. يعتبر نفسه ذا خبرة أكثر من الأطباء، وبرأيه فإن عمله يتطلب خبرة عملية أكثر، اكتسبها منذ أن كان في العاشرة من العمر بداعي مساعدة والده في المجال نفسه. ويؤكد: «حتى الدكاترة يشهدون على نظافة شغلي وجودته وأنا مختص بأطقم الأسنان». ويضيف: «أنا لست طبيب أسنان ولا أتعاطى شؤون القلع والتصليح». أما «حرفته» هذه، كما يصفها، فموروثة أباً عن جد.
«الأخبار» التقت أبو منير عند إحدى زبوناته أم محمد (50 سنة). هي المرة الأولى لها في تركيب وجبة أسنان. كان أبو منير في المرحلة الأولى أي أخذ القياسات. أم مصطفى جارة أم محمد هي التي شجعتها بعد التجربة وأعطتها رقم هاتف أبو منير.«قرقش فستق وقضامة بعد التركيب مباشرة، ثم ادفع بعد أن تلمس النتيجة بنفسك». بهذه الكلمات يروّج أبو منير لعمله الذي يتوزع على ثلاث مراحل، الأولى تسمى الطبعة أي مرحلة أخذ القياس، الثانية تكون بروفة، والأخيرة هي مرحلة «العضة» التي تكون الأساس في العمل. يستغرق عمله أكثر من 4 أيام وبرأيه ذلك مرتبط بمهارة «المعلم». يزداد الطلب على عمله اليوم، وخصوصاً عند الفئة الفقيرة من الناس، لا يسألونه عن المواد وعن كيفية التحضير وعن تأثيراتها الجانبية على الصحة، لكنه يؤكد أن المواد طبية. ويشرح: «أستخدم نفس المواد اللي بيشتغلوا فيها الدكاترة، مثل الجبصين والجينيت، التي هي عبارة عن مادة زهرية تصبح بيضاء بعد الخلط، شمع أحمر، شيلمون غاز (أنبوب صغير من الغاز، بدل سراج السبيرتو الموجود في المختبر الطبي)». البضاعة حسب وضع الزبون «شو طلبو بعطيه»، أما الموادّ، فتختلف بين زبون وآخر، فالبعض يطلب طقم أسنان إيطالياً أو بورسلان، وآخرون يطلبون طقماً مصنّعاً في سوريا. يتقاضى أبو منير نصف ما يطلبه الطبيب، فمثلاً يكلّف طقم البورسلان عند الطبيب 700 دولار أميركي بينما يوفّر هو على المريض النصف ويطلب 400 دولار أميركي و200 دولار أميركي للإيطالي، و100 ألف ليرة لطقم الأسنان المصنّع في سوريا. أم محمد، أم مصطفى، الحاج عبد الله زبائن يتحدثون: «اشتغلنا عنده، لأننا نوفّر أوّلاً النقليات، وزيارات الأطباء، والأدوية، والمال». ويضيفون: «لو كان الوضع المادي أفضل لتوجهنا إلى الأطباء». طلبهم كان متشابهاً: طقم أسنان محلي بـ100 ألف ليرة، ومنهم من يقسّطها على دفعات، حيث يؤكد ابو منير أنه يقسّط لمن يعرفه ويثق به فقط.
تجدر الإشارة إلى أن حرفة أبو منير كانت تشمل في الماضي إضافةً إلى صناعة الأطقم معالجة الأسنان بطريقة بدائية، حيث كان «الطبيب» الجوّال يعالج في المنازل وعلى الطرقات، وغالباً ما يُروى عن هؤلاء أنهم كانوا يقتلعون الأسنان التي يضربها السوس بطريقة تؤدّي أحياناً إلى ألم شديد يترافق مع التهاب وأورام.