مركز تنموي ثقافي يجذب الصغار والشبان والمسنّين في مدينة الشمس... والعلاج الدرامي ملجأ النساء عُبادة كسر

«شو بقدم داري، شو نشاطه اليوم؟» سؤال بات شائعاً بين أبناء بعلبك. نشاطات مركز الترفيه والإرشاد العائلي «داري» في مدينة الشمس أضحت على كل لسان. أوجد المركز حيوية افتقدتها المدينة منذ بداية الحرب الأهلية، وصار مقصداً للكبار والصغار
يخترق «داري» زحمة السير وضجيج السوق التجارية، ويركن على مقربة من بلدية بعلبك، جاذباً المارة بالموسيقى والنشاطات الفولكلورية والرياضية والثقافية…
خرجت المنظمات المانحة عن المألوف، وتوجهت إلى مدينة بعلبك بتجربة جديدة ونوعية لا تبغي التنمية الريفية، وليست ببديل عن الزراعات الممنوعة، لكنها تنفذ سياسة حمائية وقائية نفس ــ اجتماعية.
افتتح مركز الترفيه والإرشاد العائلي «داري» في 11 أيلول 2007، وعقد عليه أبناء المدينة رهاناً كبيراً، ويصفه رئيس البلدية بسام رعد بأنه «مشروع مهم، ويلقى صدى إيجابياً في المدينة، وخاصة بين المسنين من الجنسين، وبين الأطفال، فنشاطاته تخلق جواً من الطمأنينة النفسية، وخاصة للمسنات اللواتي يمارسن نشاطات متنوعة».
عانى المجتمع البعلبكي صعوبات اقتصادية، وغياب الشعور بالأمان، والتغير الحاصل في الأدوار الاجتماعية، والعنف، وخسارة الأحباء جراء الحرب والنزاعات، لذا توجهت المنظمة الدولية للهجرة بتمويل من الحكومة البلجيكية، بالتعاون مع بلدية بعلبك كشريك محلي، ووزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة اليونيسف وجمعية «العناية بأطفال الحرب»، بمشروع مركز «داري» للترفيه والإرشاد العائلي، لإعطاء الفرد والمجتمع المحلي مساحة من التعبير الحر، وتنمية القدرات، ومكاناً لتقديم الاستشارة النفسية المجانية.
وليد عساف، مدير المركز ومنتدب من مركز الخدمات للشؤون الاجتماعية يشرح آلية عمل «داري»، فيقول «خلّفت حرب تموز اضطرابات نفسية عند أطفالنا، من قلق وخوف وتأخر مدرسي، وصار لزاماً علينا البحث عن حلول، «داري» منزل للجميع، حيث يمكن للأولاد، والشباب، والراشدين، والمسنين أن يتمتعوا بمجموعة من النشاطات الترفيهية، إضافة إلى حملات التوعية والاستشارة النفسية».
يقدم «داري» برنامجاً أسبوعياً، من ورشات العمل لكل الفئات العمرية، هدفها تشجيع التعبير الشخصي والاختلاط بالآخرين، وينظم حملات التوعية في مجالات الصحة والصحة النفسية وموضوعات اجتماعية ونفس ـــ اجتماعية، إضافة إلى الاحتفالات الثقافية، كالمهرجانات، وعروض الأفلام، وحفلات العشاء. ويؤمن المركز الدعم التقني للراغبين في تقديم نشاطات أو مهرجانات (قراءات، عروض وتسجيلات فنية، معارض، ورش عمل...) شرط أن يُنجز النشاط داخل المركز .
استقبل المركز أكثر من 1600 شخص، وفق ما أشار إليه مازن أبو الحسن، منسق مركز الترفيه والإرشاد العائلي (منتدب من المنظمة الدولية للهجرة)، ويؤكد «يسير المركز وفق جدولة زمنية للنشاطات الموزعة على فئات عمرية». النشاطات المخصصة للأطفال تتنوع بين رسم وأشغال يدوية وأفلام ومسرح دمى ورقص، ودبكة، وقصص الحكواتي، ويلفت أبو الحسن إلى أن لنشاط «الرقص صدى كبيراً، وخاصة أنه يتم تحت إشراف مدرب». أما الشباب فيتابعون نشاطات الرقص والدبكة بإشراف خالد النابوش، مؤسس فرقة «المجد» للرقص الفولوكلوري والمسرحي، وقد قام مسنون بنشاطات متنوعة كزرع حديقة، «لكنهم لم يتّفقوا على مشاريع مشتركة مع المسنات» وفق ما يؤكد أبو الحسن.
استقطب مركز داري ما يقارب 100 امرأة، يشاركن في نشاطات الرياضة واليوغا والتزيين والطبخ الفولوكلوري. وتشرح هدى شمص «نلتقي كل خميس لنتعلم طبخة جديدة من العالم، بالتعاون مع الأجنبيات الموجودات في بعلبك، وتقدم كل سيدة طبقاً من مطبخ بلدها».
وتشارك السيدات في ورشة حوار الأربعاء عن مواضيع مختلفة (الحرب وتبعاتها النفسية، المراهقة ...) بحضور هلا يحفوفي وهيام وهبة المسؤولة عن أنشطة النساءالمتخصصة في العلاج النفسي من خلال الدراما زينة دكاش لفتت إلى أن هذا العلاج يقوم على «الدمج بين تقنيات المسرح والعلاج النفسي، فتفرغ السيدات مكنوناتهن من تساؤلاتهن»، عبر رسومات أو نشاطات مسرحية، وتلفت بعض السيدات إلى تفضيلهن هذا النشاط، لأنه يسمح لهن بتبادل الخبرات والآراء والحلول.
«هل أنت مبدع؟ وهل لديك مهارات وأفكار تريد أن تضعها في خدمة مجتمعك المحلي؟ عبّر عن نفسك وأعط ما عندك»... بهذه العبارات استطاع «داري» أن يجذب 26 نشاطاً فردياً في إطار مشروع «أنا قادر»، منها أنشطة رسم، وموسيقى، وأفلام، وفنون ... وقد تبنى «داري» 7 من هذه المشاريع، منها تصوير فيلم عن حاجات بعلبك الاجتماعية والنفسية، وورشة عمل عن الخط والرسم.
الهاجس الوحيد الذي يقلق الأطفال والشباب والمسنين في المدينة، هو ماذا بعد نيسان 2008؟ حيث سيتوقف المركز عن خدماته لتوقف التمويل من المنظمة المانحة، غير أن القيميين عليه يسعون إلى إيجاد البديل، وأكد رئيس بلدية بعلبك بسام رعد أن البلدية أيضاً تسعى جاهدة لاستمرارية المشروع، حيث دعا أبو الحسن إلى عدم القلق، لأن التمويل للمرحلة الجديدة سوف يكون من الجهات ذاتها.