وليم محفوض

لاحقاً جمعا كل ما رصداه واكتشفاه في كتاب أطلقا عليه اسم «نباتات لبنان المصوّرة». وذكرا فيه كل المعلومات المكتشفة عن كل نبتة وصورتها ومميزاتها وفي أي منطقة موجودة في لبنان، والبلدان الأخرى التي تنمو فيها. النتيجة كانت إحصاء 2600 نوع من النباتات المختلفة يتفرّد لبنان بـ49 صنفاً منها، وبينها 118 نوعاً انقرضت أو اختفت حالياً، واكتشاف 59 نبتة جديدة. ما لم يذكره هذا الكتاب، مئات الروايات الظريفة والغريبة التي تختصر طبيعة لبنان الاستثنائية.
«الأخبار» رافقت الزوجيين في إحدى رحلاتهما. هنرييت القليلة الكلام تقول إن جورج «حكواتي العائلة». هي تحمل الكاميرا وتفتش وتصوّر، أما هو، فينتقي من المناظر الجميلة حكايات تعود إلى الأيام الخوالي. وأبرز هذه القصص حكاية «زهرة سوسن ميس الجبل» التي أطلق هو عليها هذا الاسم وهي تسكن غلاف المجلد الذي وضعه وزوجته وأصدره المجلس الوطني للبحوث العلمية. وبحسب ما شرح طعمة فهذه زهرة معروفة تاريخياً وموثقة في عام 1875، ثم اختفت وعاد واكتشفها موظف في جمارك فرنسا عام 1933 في موئلها الأصلي. لكنّ صديقاً لطعمة من الأردن حمل إليه وثيقة إسرائيلية تدّعي أن الزهرة اكتُشفت في جبل الشيخ في المنطقة التي تحتلها إسرائيل، وأنها منتشرة في الجبل، «وهذا غير صحيح» كما يقول طعمة الذي يؤكد أن موئل الزهرة حصراً في ميس الجبل وكونين وحولا. ولتثبيت أنها زهرة لبنانية، قصد طعمة الأماكن التي اكتُشف فيها «سوسن ميس الجبل»، بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. وبعد عناء وجد الزهرة وصوّرها وأخذ منها عيّنة ليضمها إلى معشبه.
يقول جورج: «أنا وهنرييت كنا طالبين في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية حيث تعارفنا، وكان ذلك في أواخر الخمسينيات»، ويضيف «من هناك بدأت المسيرة، وجمَعنا الولع المشترك في البحث عن النباتات والحشرات، وفي حب اكتشاف الطبيعة، ذلك المكان الذي يكتشف فيه الإنسان حقيقته» على حدّ قوله.
حصل جورج على شهادة دكتوراه دولة في العلوم الطبيعية من فرنسا، أمّا هنرييت، فحصلت على شهادة دكتوراه دولة في علم دماغ الحشرات، ولكن بعد عشر سنوات من زواجها لأنها كانت تعتني بالأولاد خلال تلك الفترة. وقبل أن يعودا من فرنسا، عملا جاهدين بالتنسيق مع مسؤولين فرنسيين في متحف العلوم الطبيعية في باريس على البحث عن معلومات عن نباتات انقرضت من لبنان منذ زمن طويل.
من يسمع ما اختبره هذان العشّابَان عن البيئة في لبنان، يتعجّب من أسماء لم يسمعها في حياته. نباتات وأزهار تنبت بيننا ولا نلاحظها غالباً، ولكن الثنائي طعمة، جعل من التفتيش عنها شغله الشاغل. ويقول طعمة «حتى خلال الحرب الأهلية في لبنان لم نتوقف عن عملنا، بل وسّعنا نطاق بحثنا ليشمل الطيور واللبونات والأصداف والحشرات». وأردف قائلاً إن هنرييت هي من كانت تهتم بدراسة الأنواع المختلفة من الحشرات الميكروسكوبية وذلك بطريقة التصوير بالحبر الصيني.
وإلى جانب كتاب «نباتات لبنان المصوّرة»، أصدر جورج وهنرييت طعمة عشرات الأبحاث والمقالات العلمية التي اشتهرت عالمياً. كما أسهما في اكتشاف وتسمية عدد مميّز من النباتات والأزهار اللبنانية مثل «الأشواك المباركة» و«لوف لطيف» و«زقزقة العصفور» و«البهار الكاذب» و«زند العبد اللبناني» و«أم ضرس» و«أشواك الغزال» و«كف الدب» و«السلة القلبية» و«الخلة الشيطانية».
ما اختبره الثنائي طعمة يمكن اعتباره أرشيفاً واسعاً للعلوم الطبيعية والسياحة البيئية في الوقت نفسه، ويساعد على المحافظة على الإرث الكبير التي تحتضنه أرض لبنان. وفي هذا الشأن يشدّد الزوجان طعمة على أن «الحفاظ على هذا الإرث ليس بالعملية المعقّدة. وهناك قواعد بسيطة يمكن أن نتّبعها ونطبقها، وتبدأ الطريق بتعزيز التربية البيئية لدى الأجيال الجديدة».