strong>فاطمة طقو


لا يتذكر دبلوماسي لبناني سابق أنه أصدر بياناً أو تصريحاً علّق فيه على أي حدث في أي من البلدان التي مثّل لبنان فيها، ويوضح أن أقصى ما كان يفعله، هو التعزية بوفاة شخصية ما أو حتى اغتيالها في المؤسسة التي تتبع لها هذه الشخصية، دون أن تُعدّ زيارته وتعزيته خبراً يستأهل النشر.
لماذا تستدعي أيّ عملية اغتيال في لبنان كل هذه المواقف من بلدان العالم قاطبةً؟
يرى هذا الدبلوماسي «أن لبنان يتصدر الصفحة الأولى من شاشات العالم»، وهو «ساحة قتال حالياً لكل أجهزة المخابرات، وساحة ضغط وعض أصابع بين الدول الإقليمية والدولية التي لها مصالح في المنطقة، ونحن نعطيها فرصة لتحويل بلدنا الى صندوقة بريد لتوجيه رسائل الضغط بالدم والمواقف».
لذلك لا يستغرب أن يكون اغتيال مدير العمليات في الجيش اللواء فرنسوا الحاج قد استدعى في أميركا وحدها أكثر من خمسة مواقف من الرئيس الأميركي وكبار المسؤولين، وفي إيطاليا ثلاثة وألمانيا اثنين، وإعلاناً من مجلس الأمن، إضافة الى موقف الأمين العام للأمم المتحدة، فضلاً عن بيانات وزارات الخارجية في معظم دول العالم، «بينما حدث من هذا النوع يتطلّب مواقف أقصاها من وزارات الدفاع التي تعزي وزير الدفاع اللبناني».
ويشرح أن كثرة المواقف هي للضغط والتوظيف في المكان الذي يُراد توجيه الرسائل إليه، «وهو هنا تحسين شروط التفاوض مع سوريا عبر الامتناع عن اتهامها مباشرةً ثم مطالبتها بوقف تدخّلها في لبنان، إضافةً الى دعم فريق لبناني ضد آخر عبر الدعوة، مثلاً، إلى أن تقوم المؤسسات الدستورية بعملها، أو مطالبة مؤسسة بعينها بعدم التعطيل والعرقلة».
ويضيف: «لا يظنّن أحد أن الرئيس بوش أو ملك الأردن أو المستشارة الألمانية وكل الدول التي تتسابق إلى دعمنا و«التعاطف» معنا عند حصول أي طارئ لا ينامون من شدّة التفكير فينا، إنّما هي المصالح والبحث عن أدوار ما، تظهرهم كأنهم كذلك، مع الإشارة الى أن سفارات تلك الدول غالباً ما تؤدّي دوراً في هذا المجال فتنصح بهذا الموقف أو ذاك لدعم حلفائها».
ومع استغرابه لكون معظم الدول الشاجبة والملتاعة والمفجوعة، تسارع الى إبداء حرصها على السيادة اللبنانية عند أيّ عملية اغتيال «بينما ينعدم وجود هذه السيادة أمام التحليق اليومي للطيران الإسرائيلي»، فإنه لا يحمّل إعلان الملك عبد الله الثاني تضامن بلاده «مع اللبنانيين في التصدي لكل المحاولات التي تستهدف النيل من وحدة بلدهم وسيادته»، أكثر من أنه «نصيحة من مستشاريه للإعراب عن موقف من الاغتيال الأخير، لوضع بلده على الساحة الإقليمية، وخصوصاً أنه أصبح يعتبر نفسه معنيّاً بعد زيارته لسوريا... والعبارة نفسها هي تكرار للمواقف الدولية والعربية المعلنة منذ عامين».
ولا يبرّئ اللبنانيين أنفسهم مما يجري «لأن الدول التي لا تتخذ موقفاً يطالبها حلفاؤها اللبنانيون بذلك، بل يلومونها إذا لم تتكلم. لدينا ضعف تجاه الأجنبي. ودائماً نستنجد بالخارج في تنافسنا الداخلي. والأدهى أنه إذا شجب بعضنا هذا التصرف، فإن بعضنا الآخر يعترض على الشجب. وكل طرف يعتبر مواقف الدول الحليفة له دعماً، وتلك التي تتخذها الدول الحليفة لغريمه الداخلي تدخلاً. لو كان الجميع يرفض كل تدخل، فإن ما نراه اليوم كان سيتراجع الى قنواته الطبيعية».
ولا ينسى دور الإعلام «وهو دور كبير في حفز من لا يريد اتخاذ موقف، على اتخاذه حتى لا يبدو متخلّفاً عن أقرانه».
ويعلّق ساخراً على لغة بعض المواقف الغربية «فأقصى ما يقوله الأجنبي هو التعبير عن الصدمة، غير أن المكاتب الإعلامية للمسؤولين اللبنانيين تضيف من عندها عبارتي «الذهول والفجيعة!».