عرفات حجازي


يجمع الموالون والمعارضون، على حد سواء، على أن المبادرة الفرنسية ماضية في طريقها الصحيح، وهي لا تزال تحوز على دعم محلي وعربي ودولي. والجميع، بلا استثناء، يرون فيها فرصة أخيرة يجب التقاطها لاخراج البلاد من أزمتها السياسية، والكل في حاجة إلى الجهود الفرنسية الواقعية التي تأخذ في الاعتبار هواجس الأطراف كافة. وما الكلام العالي النبرة، ورفع السقوف والاشتراطات سوى مقدمات لتحسين الشروط في التسوية ودعم المواقع التفاوضية بعدما سلكت عملية التوافق والآلية المعتمدة في اختيار رئيس الجمهورية المقبل مساراً مركزاً على الساحة المسيحية، وفي اتجاه بكركي، لوضع لائحة أسماء توافقية للاختيار منها.
ويستنتج الرئيس نبيه بري، من خلال لقاءات مع المسؤولين الفرنسيين، ان مبادرتهم جدية وصادقة انطلاقاً من اجماع الداخل والخارج حولها، ملاحظاً في الاندفاعة الفرنسية مؤشرات جهد كبير بذله الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، سواء في لقاءاته مع نظرائه الاوروبيين ام في لقائه مع الرئيس الاميركي جورج بوش، وانتزاعه تفويضاً سياسياً ومؤازرة فعلية لاجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري المحدد.
ولا يكتم بري مشاعره بالثناء على ما تبذله فرنسا من مساع، وما تقوم به من اتصالات لم تستثن احداً، فشملت كل القوى السياسية المتصارعة في لبنان، وكذلك ايران وسوريا، منطلقة من فهم عميق وواقعي لأزمة لبنان ومكوناته الداخلية والمتشابكة مع المعطيات الاقليمية والدولية، وهو ما سمح لها بمقاربة متوازنة لمعالجة المأزق الرئاسي، مبدياً استعداده لوضع كل امكاناته في سبيل انجاح المسعى الفرنسي سواء عبر امتصاص أجواء التشنجات القائمة واحتواء المواقف السياسية العاصفة، أم لجهة دعم الآلية التي وضعها الموفد الرئاسي الفرنسي كلود غيان والتي جرى التعبير عن دعمها بمناشدة مشتركة منه ومن النائب سعد الحريري للبطريرك نصر الله صفير كي يجمع القادة الموارنة ويضع لائحة أسماء للاختيار منها.
ويبدي بري اعجابه بالسياسة الفرنسية التي حققت نجاحات سريعة في حل مسألتين معقدتين الاولى تتعلق بانهاء موضوع الممرضات البلغاريات في ليبيا والثانية في تشاد حيث تمكن ساركوزي من اصطحاب الصحافيين الفرنسيين والمضيفات الاسبانيات معه إلى باريس. وحتى زيارته للولايات المتحدة كان فيها شيء من الجرأة والاقتحام على خلفية الموقف الفرنسي الرافض للحرب في العراق، وما ولّده هذا الموقف من مشاعر غضب في الداخل الاميركي، وامكن ملاحظة انه في خطابه الطويل امام الكونغرس الاميركي لم يلفظ كلمة العراق لانه تعمد عدم نكء الجراح وتذكير الشعب الاميركي بصفحة باتت من الماضي. وفي رأي بري ان هذه السياسة الاقتحامية يواصلها ساركوزي «وانا أرحب بها»، من دون ان ينسى التذكير بمواقف الرئيس السابق جاك شيراك المحب للبنان، «لكن مشكلته كانت في تغليب عواطفه وتحكمها في السياسة التي اختطها بالنسبة للبنان. وفي اعتقادي أن تحالف ساركوزي مع الرئيس جورج بوش قد يكون أكثر تماسكاً، لكن سياسته تجاه لبنان لا تتحكم فيها العواطف والعلاقات الشخصية. فهو من خلال الدبلوماسية الفرنسية اثبت انه على مسافة واحدة من جميع الفرقاء اللبنانيين، وكان حريصاً على جمعهم في سان كلو في محاولة لتقريب وجهات النظر بينهم وحثهم على التوافق».
ويبدي بري اطمئنانه إلى ان المساعي الفرنسية لن تتوقف «ولن ييأس الرئيس ساركوزي رغم وجود عقد وعراقيل، لأنه يسير وفق خريطة طريق مدروسة وفر لها كل الدعم المطلوب، وهو يضع الملف تحت اشرافه الشخصي، ويتابعه عبر كبار المقربين اليه، وهذا ما يحتم على القوى اللبنانية الحريصة على البلد ومستقبله ان تدعمه بكل قوة وتسهيل مهمة موفديه، خصوصاً انه كان واضحاً منذ بداية تجربته، وهذا ما ابلغنا اياه وزير خارجيته وأمين سره، بأن المطلوب رئيس يتوافق عليه اللبنانيون. وهذا ما يجعلنا نعلق آمالاً على زيارات المبعوثين الفرنسيين وجهود الأيام المقبلة، والتي ستتواصل حتى بلوغ التسوية المنشودة لأن مبدأ التوافق حسم نهائياً، ولم يبق سوى الاتفاق على لائحة أسماء. وهناك مخارج تدرس بمساعدة الفرنسيين مع البطريرك صفير للافراج عن لائحة اسماء بالمرشحين حتى يفضي المسار المتفق عليه الى انتخاب رئيس جديد».
ولا ينسى بري التنويه بموقف البابا بنديكتوس واهتمامه البالغ بالمساعي الهادفة لانجاز الانتخابات الرئاسية، والذي كان في طليعة الداعمين لمبادرته التي أطلقها في بعلبك، وإبداء حرصه على ان يكون الرئيس المقبل توافقياً ومقبولاً من جميع اللبنانيين والطوائف التي يتكون منها لبنان، وذلك كله في اطار رؤيته لرسالة لبنان وقراءته القلقة لأبعاد النزاعات والصراعات التي تدور في المنطقة.