عرفات حجازي


مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي من ربع الساعة الأخير، دخلت البلاد مرحلة الأعصاب المشدودة والانتظار الصعب، حيث ينتظر أن يطل الأسبوع الحاسم والمفصلي على حدثين مرتقبين سيرسمان وجهة سير الاستحقاق الرئاسي وكيفية التعاطي معه: الأول استئناف الحوار المعلق بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري خلال الساعات المقبلة، والثاني تأليف لجنة متابعة من فريقي الموالاة والمعارضة المارونيين، توافق الزعماء الموارنة مع البطريرك نصر الله صفير على تأليفها لتتولى وضع ورقة عمل سياسية تتناول الاستحقاق الرئاسي ومواصفات الرئيس الجديد للجمهورية تمهيداً لجوجلة الأسماء وفرزها.
ومع محاولة بكركي الإمساك بزمام المبادرة في شأن الاستحقاق الرئاسي وإعادة ملفه إلى البيت المسيحي، وسط التأزم الحاصل، فإن تحركها يتزامن مع تجدد اللقاءات الحوارية بين بري والحريري التي كانت قد قطعت مراحل متقدمة ثبّتت مبدأ التوافق وإبعاد الخيارات الأخرى للدخول في عملية استعراض الأسماء وتفحصها، تاركين للزعماء الموارنة وسيد بكركي التوصل إلى لائحة موحدة مقبولة مسيحياً لأنهما لا يرغبان التداول بأسماء مقبولة بمعزل عن القادة المسيحيين في جانبي الأكثرية والمعارضة. وكان الرئيس بري واضحاً في تأكيده أنه إذا اتفق الموارنة على اسم الرئيس العتيد فلن يتردد في الموافقة عليه، وأغلب الظن أن النائب الحريري هو في هذا التوجه، لأن الرجلين لا يريدان تسجيل سابقة اختيار السنة والشيعة للرئيس الماروني، وانما يرغبان في أن يتوافق المسيحيون على اختيار رئيسهم بالتفاهم مع شركائهم الآخرين في الوطن.
من هذا المنطلق فإن استئناف الجولات الحوارية بين بري والحريري ستكون محكومة بما يجري على الساحة المسيحية، وأخذاً بالاعتبار المساعي التي يبذلها صفير للتوفيق بين وجهات النظر داخل الصف الماروني لإمرار الاستحقاق الرئاسي بهدوء وإخراجه من عنق الزجاجة. فيما يؤكد رئيس المجلس ورئيس تيار «المستقبل» أن مبادرة بكركي لا تتعارض مطلقاً مع ما يذهبان إليه من مسعى توافقي، بل تتكامل مع جهدهما ومع الحراك العربي والدولي لإنجاح المبادرات اللبنانية للحل بعيداً عن التدخلات الخارجية.
وفي هذا الصدد يقول مقربون من الرئيس بري إن تحركه الوفاقي والإنقاذي في الموضوع الرئاسي يستهدف بالدرجة الأولى محاولة إثبات قدرة اللبنانيين، للمرة الأولى، على أن يكون رئيس جمهوريتهم من صناعة لبنانية، ولو تطلب الأمر جهوداً استثنائية. والأمر الثاني إبقاء النزاع الدائر بين القوى في إطاره السياسي وتجنب انتقاله إلى الشارع، وهذان الأمران يصبان تلقائياً في قطع الطريق على الخيارات التي يلوّح بها الفريقان، والتي قد تسبب انفجارات وتصدعات داخل الوضع اللبناني من الصعب السيطرة عليها، مؤكداً أن الفراغ السياسي والفوضى التي ستنشأ منه لن تكون في مصلحة أحد، لا من اللاعبين المحليين ولا من اللاعبين الإقليميين والدوليين.
وبانتظار أن تؤلف اللجنة المشتركة المنبثقة من لقاءات بكركي وتباشر عملها، فإن المواقف السياسية المواكبة لتحرك البطريرك، والمبادرة الإنقاذية للرئيس بري لا توحي بانفراجات قريبة بقدر ما تعكس أجواء لا تخلو من الشدة والصعوبة، وهو ما اعترف به صفير عندما أشار إلى أن الأمور شديدة التعقيد وتستلزم الاستعانة بالسماء لحلها. ومع ذلك لا تقلل أوساط متابعة للحركة الوفاقية من أهمية التطور الحاصل في موقف العماد ميشال عون الذي أبلغه الى البطريرك صفير، فالمعلومات تحدثت عن أن رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» أبلغ سيد بكركي ما مفاده أنه، من منطلق إسهامه في تحرير لبنان وعمله الدؤوب لاستعادة حريته وقراره الحر المستقل، لا يريد أن يسجل على نفسه أنه عقبة في طريق التسوية، واضعاً تنازله عن ترشحه وطموحه الرئاسي في عهدته مقابل أن يتراجع فريق 14 آذار عن تسمية مرشحيه للرئاسة والبحث في مواصفات رئيس لا يكون من هذا الطرف أو ذاك، ويكون قادراً على حمل تحديات المرحلة المقبلة وتجاوز الوضع غير المتوازن الذي يشكو منه المسيحيون منذ فترة طويلة والذي ضرب وجودهم في معادلة الحكم.
لكن السؤال هو: ماذا سيكون عليه الموقف النهائي لقائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي توحي تصريحاته ومواقفه بحالة اعتراضية على التسوية إذا رست على رئيس من خارج فريق 14 آذار، وانه ليس على استعداد حتى الآن لتقديم الرئاسة على طبق من ذهب لمرشح وسطي من خارج صفوف الأكثرية النيابية وخياراتها وبرنامجها السياسي بالرغم من التنازل الذي قدمه عون لمصلحة تسوية توافقية والتوصل إلى مرشح موحد من انتخابات الرئاسة ترشيحاً وحضوراً.
وثمة سؤال آخر هو: أي موقف ستتخذه بكركي بعدما ضاق هامش المناورة أمام الجميع واستقرت كرة التسوية في ملعبها؟ هل تقول كلمتها الفصل في اختيار الرئيس المقبل؟ أم أنها ستكتفي بمباركة ما يمكن أن تتوصل إليه لقاءات بري والحريري من تسويات قد يكون التوافق على رئيس الجمهورية جزءاً أساسياً منها؟