عرفات حجازي


قد يكون من المبكر الجزم بأن الوزراء الأوروبيين نجحوا، من خلال لقاءاتهم المكثفة مع المسؤولين اللبنانيين وأقطاب طاولة الحوار، بإخراج الاستحقاق الرئاسي من دائرة الخطر، وأن اختراقاً حدث في جدار الأزمة التي اختزلت في معركة رئاسة الجمهورية. لكن الأكيد، وفق المعطيات والمعلومات التي أمكن الحصول عليها، أن وفد الترويكا الأوروبية انتزع من الأطراف المتصارعة إقراراً باستمرار السعي الجاد للتوافق على مرشح يحظى بأوسع قاعدة تأييد من القوى السياسية، انطلاقاً من تسهيل الحوارات الجارية في بكركي وعين التينة، للتوصل إلى تفاهم بين القوى والكتل الرئيسة المكوِّنة للواقع اللبناني على رئيس يحظى بمساندة واعتراف جميع الأطراف، مع استبعاد اللجوء إلى منطق الغلبة واللجوء إلى خيارات مدمرة لن تكون في مصلحة أحد.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، جرى التفاهم على تأجيل جلسة الغد، لإعطاء الفرص الكافية لإنتاج صيغة توافقية في شأن الرئاسة، تكون مدخلاً لوفاق وطني واسع إزاءها، مع استعداد أبداه الوزراء الأوروبيون للعودة ثانية إلى بيروت إذا تطلّب الأمر ذلك، للمساعدة في التغلب على أي عقبات قد تنشأ وتعوق إخراج الاستحقاق الوفاقي من عنق الزجاجة.
وإذا كان الانطباع السائد الذي كوّنه الوزراء الثلاثة من خلال زيارتهم إلى لبنان هو أن الأمور تسير في الطريق الصحيح في ما يتعلق بموضوع الرئاسة، وتلمّسهم أجواءً إيجابية ودينامية سياسية كفيلة بتخطي الانقسامات والمواقف المتناقضة بمزيد من التفهم والحوار، فإنهم حرصوا على إبلاغ من سألهم عن حقيقة الموقف الأميركي من الاستحقاق الرئاسي والتقديرات المتفاوتة بشأنه، بأن هذا الأمر متروك لهم، أي للأوروبيين، وهم على تشاور مستمر مع الإدارة الأميركية التي باتت مقتنعة، وفق ما قاله أحد الوزراء الثلاثة، بأن الساعة الأميركية يجب أن تضبط على التوقيت اللبناني، لا على التوقيت الإقليمي، وبالتالي لا يجب الانتظار لمعرفة ما ستؤول إليه أعمال مؤتمري أنابوليس للسلام في المنطقة واسطنبول لدول جوار العراق، لأن ساحة لبنان الرخوة والضعيفة، التي تعيش حال توتر واحتقان وتختزن الكثير من عوامل التفجير، لا تستطيع تحمّل المزيد من الوقت المستقطع وربطها بأزمات المنطقة. وبالتالي، فإن تعطيل الاستحقاق الرئاسي سيعني الدفع باتجاه الفوضى، مع كل ما يترتب عليها من تبعات سياسية ودستورية وأمنية، لن تكون في مصلحة أحد، وبالأخص الولايات المتحدة، لأن الفراغ والفوضى سيطيحان بالإنجاز الأميركي الوحيد في المنطقة وبكل المكاسب التي حققها حلفاؤهم في لبنان على مدى عامين.
وأكد الوزير الأوروبي لسائليه أن زيارة الوزراء الثلاثة تحمل رسالة معبرة يجب أن يقرأها قراءة صحيحة جميع الفرقاء، «فنحن نزور لبنان باسم أوروبا، ولبنان بالنسبة إلينا هو وجود ضروري، لا للبنانيين فحسب، بل لمنطقة المتوسط. كما أننا نحمل إلى جانب الموقف الأوروبي الموقفين العربي والدولي، والكل يخاف على لبنان من الفراغ، وعلى نظام المصالح في المنطقة. ونحن مصممون على عدم تركه يصارع وتتقاذفه أمواج التدخلات لتذهب به نحو الفراغ والفوضى. صحيح أن أحداً منا لا يريد أن يسمي مرشحاً أو يتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، ولكننا ندعم جهود التوافق القائمة لانتخاب رئيس للجمهورية، ولن نلعب أي دور يغلّب وجهة نظر فريق على آخر، فقط بإمكاننا أن نسهم في تدوير الزوايا، وتوسيع مساحات التلاقي بين اللبنانيين، وتضييق شقة الخلاف فيما بينهم، ومعالجة هواجسهم. والمسؤولون العرب متفقون معنا، وكذلك المجتمع الدولي، على التوفيق بين خيارات المعارضة والموالاة، بعيداً من التصلب لبلوغ تسوية مقبولة. وهذا ما أبلغناه إلى جميع الأطراف، وقلنا صراحة للرئيس نبيه بري، الذي نقرّ دوره وجهده الدؤوب في التفتيش عن المخارج: نحن جاهزون للعمل معك لإنجاح مساعيك الحوارية مع النائب سعد الحريري، وإننا واثقون من خلال تشاوركم الدائم وتقاطع مسعاكم مع مسعى البطريرك نصر الله صفير، بأنكم ستصلون إلى الحل الذي يحمي لبنان ويحصّنه ويبعده من مهب الرياح العاصفة في المنطقة، ونحن ملتزمون السعي مع الدول المؤثرة في الملف اللبناني لتجنيب لبنان صراعاتها».
وأدرج الوزير الأوروبي الاتصال الذي أجراه وزير خارجية فرنسا برنار مع نظيره السوري وليد المعلم في هذا الإطار، ولمّح إلى لقاء سيعقد بينهما في اسطنبول مطلع الشهر المقبل، على هامش مؤتمر دول جوار العراق، من دون أن يستبعد نجاح الجهود التي تبذل لجمع المعلم مع كوندوليزا رايس، وخصوصاً في ضوء الإشارات السياسية الإيجابية التي أرسلتها دمشق، من خلال القناة التركية، في ما خصّ موقفها من الاستحقاق الرئاسي، والتي توحي بأن دمشق متجاوبة ومشجعة للجهود الدولية المبذولة، وبالأخص الأوروبية، والدافعة باتجاه تغليب المنحى التوافقي في انتخاب رئيس جديد، وهذا ما يكسب سوريا اعترافاً بتأثيرها ونفوذها في اتمام الاستحقاق اللبناني، وبأنها جزء من الحل، وليست جزءاً من المشكلة فقط.