عرفات حجازي


على مسافة أقل من أسبوعين من الجلسة المقررة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، بدا أن أمراً ما قد حصل، لكن لم تعرف ماهيته بعد، اعترض المسار الإيجابي للمبادرات التي كانت تسير على سكة سالكة، فعاد التراشق الإعلامي والخطاب العالي النبرة ليمثّل ضغطاً على الجهود التوافقية ويثقل الحمل على مسار الحوارات التي كانت قد بدأت ثم توقفت لتُستأنف بين الخصوم السياسيين وخارج لبنان هذه المرة. وقد خلقت لوحة المواقف التصعيدية الصادرة عن بعض الأطراف نوعاً من البلبلة أبقى الواقع على تعقيداته وتأزّمه، وخصوصاً مع فشل اللجنة الرباعية المارونية في الوصول إلى نتائج عملية، حتى إن توصيتها بجمع القادة الموارنة لحسم خيار الترشح للرئاسة تثير شكوكاً حول إمكان تحقيقها، نظراً الى تباعد الرؤى والانقسامات الحادة بين الأحزاب والتيارات والقوى داخل الطائفة المسيحية، ما دفع البطريرك نصر الله صفير إلى التعبير عن مرارته، والاعتراف بوجود صعوبات كبيرة في طريق الاستحقاق الرئاسي، متحفّظاً عن الجزم في ما إذا كان هذا الاستحقاق سيتم في موعده، كما أنه لم يحسم ما إذا وضع لائحة بأسماء مرشحين سيؤخذ بها؟
وفي ضوء هذه الوقائع، من المستبعد أن يدعو صفير إلى عقد اجتماع لأقطاب الطائفة، وهو لا يسعى أصلاً إلى اجتماع يحمل عوامل انفجاره بداخله. لكن من المفترض وفق الذين يعرفون طباع الرجل، أنه سيتابع الحركة الدبلوماسية التي تجري في العواصم المعنيّة والمؤثّرة في الملف اللبناني لخلق ظروف الاستحقاق وضمان الوفاء به في موعده الدستوري من غير أن يسحب مبادرته ويوقفها عند الحدود التي وصلت إليها، بل هو في وارد تقديم مجموعة أسماء من المرشحين إذا ضمن أن الكتل السياسية لن تقاطع جلسة الانتخاب.
وتعتقد مرجعية مسيحية بعيدة عن السجالات القائمة داخل صفوف الطائفة المارونية أنه إذا فشلت بكركي في حسم خياراتها الرئاسية فإن القوى الإقليمية والدولية المشجعة على التوافق ستحث الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري على استكمال مسعاهما الوفاقي، وتترك لهما اختيار المرشح الأنسب كممثلين عن الموالاة والمعارضة ومن منطلق وطني وبتغطية من الكنيسة المارونية، وذلك دفعاً لتعطيل الانتخابات واستبعاداً لتصادم الخيارات التي يلوّح بها الطرفان المتنازعان، وحفاظاً على الموقع المسيحي في توازنات المعادلة اللبنانية ومكانة الرئاسة ودورها في صنع القرارات الكبرى في النظام السياسي.
ومع بدء احتساب الأيام الأخيرة لجلسة الانتخاب في 12 الشهر المثبل يبقى الرهان معقوداً على جملة محطات ستحدد المسار الذي سيسلكه الاستحقاق الرئاسي، فالمحطة الأولى هي انتظار محصلة جولة الموفد الفرنسي جان كلود كوسران على كل من السعودية وسوريا وطهران حيث خاض كوسران في دمشق محادثات صعبة مع المسؤولين السوريين، الذين طرحوا عليه أسئلة محددة من بينها هل التحرك الفرنسي منسّق مع الأميركيين؟ وماذا تقصدون عندما تقولون إن على سوريا أن تتعاون لإمرار الاستحقاق الرئاسي؟ هل المطلوب أن تضغط على حلفائها للقبول بما يمسّ مصالحهم وثوابتهم؟ وعندما تتهمون سوريا بالتدخل في الشؤون اللبنانية ومحاولاتها تعطيل الاستحقاق الرئاسي هل تستندون في ذلك إلى أدلّة؟ أم أنكم تبنون اتهاماتكم على ما يصرّح به أقطاب فريق السلطة في لبنان، الذين يلقون بالتهم الجاهزة جزافاً، فأين الأدلّة على التدخل السوري في الشأن اللبناني؟
ولم يلقَ المسؤولون السوريون أي إجابات شافية من المسؤول الفرنسي، ومع ذلك أظهرت المحادثات المعمّقة وجود نقاط توافقية بين الطرفين، تتضمن انتخاب رئيس توافقي وعدم وجود مرشح للرئاسة لكل منهما مع التأكيد على إجراء الانتخابات في موعدها ووفق الأصول الدستورية، وأن يكون الرئيس المقبل مقبولاً من الجميع ليمثّل فرصة لتوحيد اللبنانيين. وهذه المحصّلة الإيجابية لمحادثات كوسران في دمشق دفعت إلى تثبيت موعد لقاء وزيري خارجية البلدين في إسطنبول وحفّزت الجانب الفرنسي على السعي إلى ترتيب لقاء بين وزير خارجية سوريا ووزيرة الخارجية الأميركية، كما أن الاتصالات الفرنسية ـــــ الإيرانية ركّزت على وجوب بذل مساع إضافية لعقد لقاء بين وزيري خارجية سوريا والمملكة العربية السعودية على هامش اجتماعات دول الجوار العراقي في إسطنبول، في ضوء المحادثات التي أجراها وزير خارجية إيران مع القادة السوريين، والتي تركت انطباعاً مؤكداً بأن البلدين يدعمان التوافق، وأن لا مرشح لهما لرئاسة لبنان. ويعتقد دبلوماسي عربي في بيروت أن انتقال فرنسا ومعها الدول الأوروبية الأساسية من سياسة التهديد والعزل والحصار إلى الحوار والتعاون مع سوريا سيفتح المجال رحباً لاحتمال الوصول إلى تفاهم حول الموضوع الرئاسي في لبنان بعد الاعتراف بدور سوريا وتأثيرها، وباعتبارها جزءاً من الحل لا من المشكلة فقط. وعلى أهمية هذه التفاعلات الخارجية فإن نتائجها ستكون محكومة بمحطة مفصلية وحاسمة في لقاء القمة الأميركية ـــــ الفرنسية في السادس والسابع من تشرين الثاني، فالملف اللبناني سيكون واحداً من الملفات التي تتصدّر لقاء بوش ـــــ ساركوزي، في ضوء الحركة الإقليمية والدولية الواسعة وما انتهت إليه من خلاصات، من غير تجاهل الاختلاف بين المقاربتين الفرنسية والأميركية للوضع في لبنان، وعمّا إذا كانت القمة ستوفر المناخ والشروط لإنجاز الاستحقاق الرئاسي وحمايته من التعطيل.