strong> فداء عيتاني


  • بدأ الشرّ المستطير يتجمع فوق طرابلس مع منتصف عام 1983. قوات «فتح» سبق لها أن تسربت الى الشمال من كل مناطق لبنان وخاصة بعد مقتل سعد صايل (ابو الوليد) في البقاع (29 ايلول 1982) وتمركز ياسر عرفات في طرابلس، وفي ظل توتّر علاقاته بسوريا وبالشيوعيين



  • المعارك الهامشية تطيح «التوحيد» فيفرّ عناصرها نحو «القوات»

    انتظر السوريون من «حركة التوحيد الاسلامي» أن تطلب من ياسر عرفات عدم دخول المدينة وتجنيبها مقاتلة الجيش السوري، او تسعير الخلاف بين الفصائل الفلسطينية المتصارعة. وزار مسؤولون شبان في «التوحيد» عرفات في مقره بالزاهرية، بغية مطالبته بألا يورط المدينة في معركة، وأن يرحل بأسرع ما يمكن. الا ان عرفات المحنّك والذي يجيد قراءة الواقع السياسي والاستفادة من المعلومات الاستخباراتية، تمكن من قلب رأيهم قبل أن ينطقوا قائلًا: «انا مسلم يطلب النصرة»، بحسب ما يروي احد المشاركين في اللقاء.
    «لم يكن هدف عرفات مواجهة سوريا فقط» على ما يقول إمام مسجد القدس ماهر حمود، «إذ كان يموّل جزئيا «قوات الفجر»، ولم يكن قد بدّل موقفه بعد مما يتعلق بالقتال ضد الاسرائيليين». والتقى حمود عام 1983 في الزاهرية عرفات المحاصر في طرابلس، ونقل أنه «كان يركّز على مقاومة السوريين لكونهم يحاصرونه، إلا أنه كان يشجع القتال ضد الاسرائيليين». حينها خاطب حمود عرفات بالقول: «اعلنها اسلامية حتى نتمكن جميعاً من السير خلفك». فأجاب الملقب بالـ«ختيار»: «ما اقدرش، انا وراي المسيحي والشيوعي والعلماني، وانا الكل».
    على المستوى الميداني كانت «التوحيد» تمدّ «الحرس الثوري» في لبنان وحزب الله بصواريخ من المخزون الذي سلّمها إياه عرفات، ومن صواريخ الكاتيوشا والغراد والصواريخ المعدلة (راجمات 240 وصواريخها).
    ووصل التمويل بشكل مركّز إلى الشيخ سعيد شعبان من إيران، وكان خليل عكاوي (أبو عربي) في المقابل يحصل على تمويل من الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلّه يعادل عشرة أضعاف ما يقدمه عرفات له، ونشب خلاف كبير بين عرفات وعكاوي خاصة ان الأخير استقبل مجموعات بن بلّه لتدريبهم في طرابلس، وكانت هذه المجموعات تتدرب وترحل فوراً. ومن يعرف عكاوي ويعرف عائلته يعرف ان الشاب (الذي سيقتل لاحقاً) لم يكن يملك اكثر من قميصين، وحين قتل لم تجد العائلة ما تستعين به على اسباب الحياة الا اصدقاء خليل المقربين.
    وعلى مستوى التسليح فإن «سلاح «التوحيد» يوازي سلاح «حزب الله» بمقاييس اليوم، من راجمات صواريخ ومضاد للمدرعات والطائرات، وهاونات ورشاشات ثقيلة ومدفعية. لكن «لم تتمكن الحركة من استخدام اسلحتها» بسبب غياب القدرة العسكرية على استغلال كل هذه المنظومة من الاسلحة كما يقول الضابط نفسه، «وعملت كل مجموعة كما ترتئي، وتعاملت مع ما تملك من السلاح بما تراه مناسباً. أضف أن كل مجموعة كان لها غرفة عمليات خاصة، وعادة ما ترسم الخرائط على الابواب الخشبية». وكانت مجموعة باب التبانة التي يقودها عكاوي رأس الحربة في العمليات الحربية.
    استفادت تيارات إسلامية عديدة من حالة «التوحيد» ونمت بسرعة، من السلفية الى «جمعية المشاريع» التي أنشأت نظام خدمات في الشمال، اضافة الى «الجماعة الاسلامية». وشجعت مجموعة من المثقفين ما سيدعى «الاسلام السياسي». وابرز هذه الاسماء روجيه نبعة والياس خوري ونهلة الشهال، وكان تأثيرهم يتجلى عبر خليل عكاوي بشكل اساس. كما كان عكاوي يؤوي مجموعات يسارية، وكان غيره من رموز «التوحيد» أيضاً يؤوي مجموعات مثل الشيوعيين السوريين والإخوان السوريين ومجموعات اسلامية مختلفة المشاربفي نهاية 1983 انفجر الصراع مع الشيوعيين، وتكلل بمجزرة قامت بها مجموعات «التوحيد»، وكان عكاوي يقضي وقته في محاولة يائسة لإنقاذ رفاق الأمس من براثن إخوة اليوم، وبعدها اغتيل عصمت مراد وهو يغادر احد اجتماعات الحركة، ومثّلت تصفيته نزعاً لمكابح الصدام مع الجيش السوري «لكونه أبدى اعتقاده بأن تجاوز المعركة المباشرة مع السوريين يمكن أن يكون خشبة خلاص للقوى الاسلامية» في انتظار الاتفاق الثلاثي عام 1985 الذي تم توقيعه بعد معركة طرابلس بأسابيع بحسب الشيخ ابراهيم الصالح.
    من المعروف أن اغتيال مراد «اتى من خط داخل الحركة، لكن بالتحليل المنطقي نستنتج أن السوريين ليسوا هم من قام بتصفيته، بل الخط الذي كان يهمه ألا يتطور الاسلام سياسياً، خاصة أن عصمت كان يمثل رؤية استراتيجية» بحسب ما يقول احد الذين شهدوا تلك المرحلة من داخل التوحيد. وفشل النقاش الداخلي في ضرورة تقطيع الوقت لمصلحة الصدام مع سوريا.
    في المشهد الخلفي لعام 1985 كانت صورة الآليات الاسرائيلية تغادر صيدا وأقساماً كبيرة من الجنوب وتبنّت «الجماعة الاسلامية» «قوات الفجر» كلياً بعد الانسحاب. ويصف ماهر حمود موقف الجماعة حينها بـ«الجيد على وجه العموم» إذ «كانوا يدربون المقاتلين ويشغلون مواقع قتالية متقدمة، وكان هناك شيء من التعاون مع حزب الله بقرار رسمي من قيادة الجماعة». ولم يحصل عملياً تمايز كبير بين الجنوبيين و«التوحيد» شمالاً، وإن كانت الجماعة والحركة قد عاشتا اجواء توتر بينهما في مرحلة ما، لكن بعدها كان الشيخ عبد الله بابتي دائماً الى جانب سعيد شعبان.
    وحين زار امين الجميل صيدا بعيد تحريرها واجتمع بعدد من العملاء السابقين في 17 شباط من عام 1985، كان «تجمع العلماء المسلمين» ينظم تظاهرة في بيروت، و«حين بلوغهم خبر زيارة الجميل وإطلاقه تصريحاً تحدث فيه عن المقاومة اللبنانية (لا الوطنية اللبنانية ولا الاسلامية) وكانت حينها المقاومة اللبنانية هي القوات اللبنانية، وكان هذا الكلام مسيئاً، تلقائياً توجهت تظاهرة ضخمة من بيروت الى صيدا ردّاً على هذه الزيارة» كما يتذكر ماهر حمود.
    وحصلت عملية خطف الدبلوماسيين الروس في بيروت، وهي العملية التي لم تكن «التوحيد» في أجوائها إطلاقاً، رغم انها اتُّهمت بها، «وبعدها دفعت المخابرات السوفياتية (كا جي بي) وليد جنبلاط الى تصفية سمير الشيخ (وهي العملية التي يتهم بتنفيذها اسعد حردان والتي طالت الشيخ وعائلته)، وكانت تلك مقدمة لحصر «التوحيد» في الشمال خاصة، أن الشيخ كان يعمل في بيروت على تدعيم التنظيم» كما يقول احد المتابعين للحركة.
    فشلت الحالة الجهادية في ايجاد أي توزان يحميها داخلياً وعلى مستوى المنطقة، وفي المنطقة لا يوجد تبنّ للحالة الاسلامية سياسياً، «فالسعودية، على سبيل المثال رأت آنذاك أن الاسلام الجهادي حالة معادية وايرانية، ولا ننسَ أن السعودية انحازت تلك الفترة الى الكتائب اللبنانية، ولم ترتح الى الحالات الاسلامية الشعبية، سواء أكانت متدينة ام غير متدينة» كما يقول احد علماء الشمال. وتأخر السعوديون طويلًا قبل التدخل في الوسط الاسلامي اللبناني. وكان تدخّلهم في تلك الفترة عبر جولات استكشاف قام بها رجل اعمال لبناني يدعى رفيق الحريري مباشرة بعد الاحتلال الاسرائيلي للعاصمة وقبيل عودة الامور الى الانفجار فيها. في تلك الفترة برز التناقض الاسلامي مع السعودية، وكتب سعيد شعبان مراراً في «مجلة التوحيد» الصادرة عن الحركة مقالات تشير بالاسم الى رفيق الحريري وتهاجم سياسته بين اوساط السنّة في لبنان، بصفته «يسحب الشبان الى الغرب ويحولهم الى أغراب، ويحاول منع الجهاد من الانتشار بين ابناء الأمة عبر المنَح التعليمية».
    في خريف 1985 تم ضرب «التوحيد». كان الضباط من «التوحيد» في منطقة الشعراني يقرأون على الجدران عبارات خطها مقاتلون رفاق لهم سبقوهم تقول «بالثارات يا حماة» كان المقاتلون من الاخوان المسلمين السوريين قد انخرطوا عميقاً في حالة «التوحيد» وقاتلوا وقتلوا مجهولين في هذه المدينة قبل هزيمتهم.
    واعتمد خليل عكاوي نظرية تفيد بأن «التوحيد» هي تكبير للمواجهة مع النظام السوري، من اجل اضعاف سوريا في لبنان وبالتالي السماح بزعزعة وضع النظام في دمشق للافساح امام حركة الاخوان في سوريا بالامساك بالنظام هناك، وحين انتهت حركة الاخوان في سورية رأى خليل عكاوي ان صراعه مع النظام السوري في لبنان قد انتهى، كما يقول احد المقربين من عكاوي في تلك الفترة.
    وبعد اشهر، وفي عام 1986، ستقمع محاولة انتفاضة يقوم بها عدد من الكوادر في «التوحيد»، وستتحدث وكالة «امنستي انترناشيونال» عن عمليات اعدام جماعية طاولت العشرات من المقاتلين والسكان، ولن تذكر الصحف المحلية الكثير عن المجزرة، وسيعتقعل كل من له صلة بـ«التوحيد»، ومن ضمن المعتقلين سيكون طفل اسمه شهاب قدور، لتسهيله فرار عناصر من «التوحيد»، وسيتعلم قدور او ابو هريرة الكثير في السجن من الكوادر الاسلامية.
    دفع خليل عكاوي ثمن معركة طرابلس، وقتل قرب حاجز سوري، اضافة الى الشيخ هاشم منقارة الذي تعرض لمحاولة اغتيال وبعدها اعتقل وسيق الى السجن في سوريا.
    تشظّت «التوحيد» ما بين قتل وسجن وهروب الى انحاء العالم، وتناثرت مجموعة منها ما بين صيدا وعدد من المناطق الاخرى، مثل مربعات في بيروت الغربية. وعمل عدد من مقاتليها وقادتها الميدانيين في اطار الحزب التقدمي الاشتراكي.
    كذلك فرّ عدد من القادة في حركة «التوحيد» الى المنطقة الشرقية من بيروت تحت سلطة القوات اللبنانية في فترة حكم امين الجميل، وعاد وفرّ بعض القادة من بيروت الشرقية، اثر محاولة توظيفهم في السياسة الداخلية، الى بيروت الغربية. وقاتل هؤلاء في بيروت عام 1987 إبان المعركة التي أدّت الى عودة القوات السورية مجدداً الى العاصمة، وهربوا بعدها نحو صيدا التي كانت في تلك الفترة خالية من القوات السورية، وكان «تجمع العلماء المسلمين» قد قام بحركة لافتة في تلك الفترة في صيدا ترأسها الشيخ غازي حنيني والشيخ ماهر حمود وعدد من الشيوعيين السابقين، اضف الى ذلك انتشاراً كبيراً لحركة «فتح» في المنطقة خلال مراحل حرب المخيمات التي لم تتمكن حركة «امل» من حسمها او اثبات التفوق فيها، مما شجع الجهاديين على اللجوء الى المنطقة. وفي تلك الفترة بدأت الحركات الجهادية تؤلف كيانها الخاص.
    وكان عدد من قادة الحركات الاسلامية، سواء السنية او الشيعية يتحركون عبر قادة «التوحيد» للسفر من لبنان واليه من خلال المناطق الشرقية، مفضلين تلك المجازفة على المرور من مطار بيروت الدولي. احد الذين تحركوا عبر هذه الطريق الشهيد خضر سلامة (ابو حسن)، الذي كان يعمل أيضاً مع مجموعة من قادة «التوحيد» على إنشاء جماعة اسلامية مجاهدة، مختلطة، وكان ثمة علاقة تربط عماد مغنية أيضاً بهذا الجو، ولا يمكن تحديد علاقاته او شبكة إسهاماته في العلاقة مع القوى الاسلامية السنية لأنه «لاعب دولي» كما يصفه احد الذين كانوا يسهّلون حركته. وكان ابراهيم امين السيد قد أدى دوراً بارزاً في العلاقة بين حزب الله والقوى الجهادية الاسلامية السنية، وهو احد الذين شجعوا خضر سلامة على العلاقة بالجهاديين السنة، حسب ما يروي احد الذين لجأوا الى المنطقة الشرقية من بيروت من قادة «التوحيد» آنذاك.




    التربية الجهادية

    لم تكن مجموعة خليل عكاوي ملتزمة دينياً، وكان عكاوي يصل الى منطقته ويقول «ايها السفلة اين اخفي وجهي من الناس؟ الكل يتحدث عن عدم التزامكم الصلاة، ها هو الآن الأذان يُرفع، تفضلوا إلى المسجد امامي». وكان الشبان يجيبونه «سنتبعك يا حاج»، ثم يهرب كل منهم بطريق ولا يصلون الى المسجد بحسب ما يتذكر احد المقربين من عكاوي.
    وحين هاجم الجيش الاسرائيلي الجزيرة مقابل طرابلس في شهر رمضان من 1983 وصلت المجموعة «التوحيدية» الى الشاطئ للقيام بهجوم مضاد متنكرة بلباس الصليب الاحمر، «وكان الكل تقريبا يدخن ويأكل» كما يمازح احد الضباط سائله عن الجانب التربوي.
    «التربية الجهادية لدى «التوحيد» كانت متفاوتة بين مجموعة واخرى» على ما يقول احد الذين اهتموا بالجانب العسكري من «التوحيد»، «بعض المجموعات كانت على تربية جهادية والتزام ديني عالٍ مثل جماعة «جند الله»، و«جيش النواة» ايضاً، و«حركة التوحيد» حركة سياسية في المقام الاول، بالأقل على مستوى خليل عكاوي وعصمت مراد، اللذين كانا صاحبي تجربة في اليسار، وكانا منظّرين اساسيين للحركة، وأنشأ ابو عربي ما يسمى «حركة الدعاة» التي كانت تتكفل التربية الدينية، وكان ثمة تشجيع على الذهاب الى الكلية الدينية.




    يوميات جهادية وسلفية

































    الشيخ بلال سعيد شعبان

    الشيخ بلال سعيد شعبان يقف في مسجد التوبة حيث بايع الألوف والده أميراً لحركة التوحيد الإسلامي في أزمنة مضت. الحركة نفسها تشهد اليوم تحوّلات، ويحاول بلال إعادة بناء ما يمكن أن يُعتبر إسلاماً جهاديّاً حركيّاً، وهو يعتمد على عمل مباشر وعلاقة غير رسمية مع جمهوره، كما يسعى إلى التمدّد نحو المناطق.

     الشيخ داعي الإسلام الشهال

    تعرّض رئيس جمعية الهداية والإحسان السلفيّة الشيخ داعي الإسلام الشهال للملاحقات طويلاً. فلم تمرّ طرابلس في أزمة، إلّا كان في حلقة الاتّهام. ورغم ذلك، كان يعود كلّ مرة بصفحة بيضاء جديدة ليتابع عمله الدعوي. وهو ابن سالم الشهال، مؤسّس التيار السلفي في لبنان، وتمتدّ أعمال جمعيّته إلى معظم أرجاء البلاد.




     

     

     




    صور التحقيق من تصوير: مروان طحطح





    الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس | الجزء السادس | الجزء السابع | الجزء الثامن | الجزء التاسع | الجزء العاشر | الجزء الحادى عشر | الجزء الثاني عشر | الجزء االثالث عشر | الجزء الرابع عشر