strong> أنطون الخوري حرب


تجترّ النخب المسيحية المارونية تجاربها الفاشلة، ويجترّ المسيحيون معها النتائج نفسها، كأن فشل تكوين الروح الديموقراطية المطلوبة قبل أي عمل سياسي يشبه التنظيم الديكتاتوري العسكري الذي يقضي على امكان التطور الديموقراطي على المستوى الوطني لمصلحة ديكتاتورية «الدفاع عن المسيحيين»، كأن هؤلاء بحاجة الى كمية إضافية من الانهيارات المسيحية على مستوى الدولة والكيان والمجتمع لكي يلجوا مساحة العقل الهادئ ويبدأوا التفكير الاستراتيجي الديموقراطي لرسم مصلحة طائفتهم ووطنهم بشكل علمي سليم.
وقد كانت «جبهة الحرية» دليلاً إضافياً على عقم التفاهم المسيحي ــــــ المسيحي، وكان المسيحيون في غنى عن هذه التجربة الفاشلة الجديدة التي تزيد إحباطهم، بعدما كان البعض يتوقع أن تكون هذه الجبهة رافعة لكسر الثنائية الأساسية المتمثلة بأكبر تنظيمين مسيحيين هما «التيار الوطني الحر» وزعيمه العماد ميشال عون، و«القوات اللبنانية» وقائدها سمير جعجع في سبيل الوصول الى تعددية أكبر في إدارة المجتمع السياسي المسيحي، وهو ما يعطي المسيحيين فرصة للبحث عن خيارات أو طروحات ثالثة وإطلاقها بمستوى موازٍ لطروحات ثنائية التيار والقوات وحلفائهما. لكن «المرض» الماروني الاجتماعي ـــــ السياسي يأخذ في طريقه كل الآمال.
ففكرة تجمع «قدامى القوات اللبنانية» انطلقت مع جو إده القيادي العريق في القوات الذي يحوز احترام كل الاجيال «القواتية» نظراً الى خوضه معارك معروفة في عهد بشير الجميل وبعده حين كان يقود «وحدات المغاوير» التي أسسها خلال ما عُرفَ بحرب السنتين «1975 ـــــ 1976». وانبنت هذه الفكرة على قاعدة الفصل بين قوات جعجع وقوات بشير بسبب الاختلاف الكبير بين شخصيتي الرجلين ونهجيهما وطرحيهما، وعلى قاعدة رفض مصادرة جعجع لتاريخ القوات «وهو الذي قبض على قيادتها بالقوة في السنوات الأخيرة التي سبقت حل الميليشيات». وتمكن إده الذي لم ينقطع عن التواصل مع مجموعته والاهتمام بها بعد الحرب، من بلورة فكرة «قدامى القوات» بالاتجاه العملي حيث أصبح الهدف اطلاق هذا الاسم على تجمع سياسي مسيحي قديم جديد، ما لبث أن تبلور أكثر باتجاه توسيع هذه الدائرة لتضمّ احزاباً مسيحية في اطار أوسع هو «جبهة الحرية».
لكن هذا التفاهم واجه أولى خطواته الفاشلة بميل «قدامى القوات» الى التقوقع ضمن إطار تنظيمي خاص بهم ومنفصل لا فقط عن حراس الأرز والتنظيم ونمور الأحرار، بل أيضاً عن القوات الذين هم في الأصل كتائبيون.
لكن مساعي التوحيد نجحت بسبب الاتفاق على أن تكون الجبهة كناية عن فدرالية ناظمة لقوى حزبية موجودة. وهكذا انطلق العمل على خطين، الأول إطلاق الجبهة خلال تجمع شعبي حاشد وإعداد المشروع السياسي للجبهة، والثانية تكوين مرجعية قيادية للجبهة، فنُظم عشاء سياسي حاشد لمكوّنات الجبهة وأنصارها، وأُلفت لجنة قيادية من نحو 30 عضواً، وأصبحت جوسلين خويري المنسقة العامة الأولى للجبهة، لكنها ما لبثت أن استقالت بعد فترة وجيزة لأسباب فكرية وتنظيمية، فاختير جو إده خلفاً لها لمدة ستة أشهر لتكون هذه المهمة في ما بعد مداورة بين أعضاء اللجنة، وتم تعيين أنطوان أبي راشد مسؤولاً تنظيمياًً على مستوى المحافظات. إلا أن هذا التفاهم لم يصمد أمام الانقسام البنيوي في مكوّنات الجبهة. فالحساسية بين الأطراف المتنوعة زادت بسبب رغبة الكتائبيين السابقين في التفرد وعدم الذوبان في جسم كبير مع غيرهم من القوى، بالإضافة إلى عدم تقبّل فؤاد أبو ناضر للصيغة الاتحادية مفضّلاً السير بصيغة حزبية واحدة، أي تأسيس حزب جديد. فوقع الخلاف بينه وبين جو إده ومسعود الأشقر، فاستقال الأول وانفصل الثاني مع قدامى الكتائب وحراس الأرز والتنظيم ليؤلّفوا ما سمي «الاتحاد من أجل لبنان».
ويقول العضو السابق في اللجنة الدكتور شارل شرتوني، إنه رغم تلك الصعوبات طلب منه أبو ناضر المضي في صوغ المشروع السياسي للجبهة الذي سيعلن في مؤتمر صحافي. وكان رأي جوسلين خويري أنه «يجب معالجة المشاكل الجوهرية قبل المؤتمر وإلاّ كان هذا المؤتمر خاتمة عمل الجبهة والموعد غير الرسمي لإعلان وفاتها»، وهكذا كان، فأبو ناضر يسير في تأسيس حزب برئاسته بعد استقالة الأعضاء الأساسيين الكبار من الجبهة وبعدما أمّن الدعم المالي اللازم للحزب الذي سيقوده هو وطبيباً آخر وأستاذاً جامعياً، وأحد الإعلاميين. وهكذا توالت الاستقالات من الجبهة، فبعد خويري وإده والأشقر، استقال كل من إيلي أسود ونبيل سمعان وشارل شرتوني.
وفيما تم تعيين نزار نجاريان الذي يعيش ويعمل في دول الخليج مسؤولاً جديداً عن التنظيم، وانكفاء ممثل رابطة سيدة إيليج عبدو سعادة، وآخر يدعى سيمون هو ممثل حزب الوعد، كانت نتيجة المؤتمر الصحافي علامة على الاختلاف السياسي الكبير بين أطراف الجبهة. فحين تحدث الشرتوني عن التاريخ النضالي المشترك مع التيار الوطني الحر، غضب ممثلا الرئيس أمين الجميل سجعان قزي وإيلي كرامة، وهو ما أدى إلى انسحاب الأول ومعه موني عرب. فاقترب نجاريان من الأخير واعداً إياه بأنه وفؤاد سيطردان شارل من الجبهة.
ويرى الشرتوني أن السبب الأهمّ وراء انهيار الجبهة هو غياب الحافز لدى مطلقيها، أي تأسيس حزب سياسي بالانطلاق من أمجاد الماضي دون تقويم الأخطاء، الأمر الذي أوقعهم فيها مجدداً، ويقول: «أنا لم أعجب بأحد لا تنظيمياً ولا فكرياً منذ بشير الجميل حتى اليوم، والأمل بقادة الجبهة كان وهمياً لأن منهم مَن يبحث عن موقع سياسي حرمهم منه جعجع ولم يعطهم إياه عون، ومنهم مَن انكفأ عن النضال السياسي بعد عام 1990 بسبب خوفه أو مصالحه، ولست متفائلاً على الإطلاق. أتمنى أن ينجح فؤاد بسلوك الطريق الصحيح لكني أشك في نجاح إطلاق المكتب السياسي لحزبه المرتقب».