عرسال ـــ عُبادة كسر


حياة الحجيري «تشتاق إلى بيتها» وهدى ملوك «تحرّرت من خجلها»

هنا عرسال، القرية البقاعية التي رافقها الحرمان منذ وجودها، انعكست قناعة لدى سيداتها بإمكان التغيير والتجديد والتمكين على أسس علمية علائقية مع محيط الاختصاصيين في عالم التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
نساء عرسال قررن ان يثُرنَ على واقع الحرمان، خرجن من رتابة الرويتن اليومي القاتم، فأنبتت صحراء حياتهن واحة أينعت معارف في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، خضعن منذ سنوات وما زلن لدورات في اللغات والكمبيوتر والأشغال اليدوية والجدوى الاقتصادية لناحية إقامة مشاريع اقتصادية خاصة، إضافة إلى ندوات جمة عن الزواج المبكر، كيفية المشاركة، والتوعية الصحية، التعاطي مع المراهق، تدوير النفايات المنزلية (تحويل عبوات الحليب إلى تحف ومجسمات جميلة، إعادة استخدام الصحون والزجاجيات المكسورة بأشكال جديدة، وتوظيف الورق المستخدم في الهدف نفسه).
نساء عرسال عرفن وأدركن إمكاناتهن وحاجاتهن، فوظّفن ذلك لخدمة القرية بأعمال ونشاطات اجتماعية مختلفة. واكبت «مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي CRTDA» نشاطهن وساعدتهن على التمكّن المعرفي وتعزيز الوعي والترشيد الاجتماعي، حتى شكّلن جمعية خاصة بهن «جمعية التعاون النسائي في عرسال». ترمي الجمعية إلى القيام بأعمال تدريب وتثقيف وتوعية الأفراد والجماعات ولا سيما المرأة والطفل حول جميع قضايا التنمية الاجتماعية والبيئية، القيام بمشاريع ونشاطات تنموية لخدمة وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأفراد والجماعات وخصوصاً المرأة والطفل، والعمل على دعم وتأهيل المرأة وتنمية قدراتها وتفعيل دورها.
طُعمَت الجمعية بعينات من فئات عمرية مختلفة (17 سنة وما فوق) فالبعض منهن ربات منازل، والبعض الآخر عازبات بمستويات علمية مختلفة، ما بين الابتدائية وصولاً إلى التحصيل العلمي الجامعي، بدأن وعددهنّ ثمانية وأصبحن ثماني عشرة امرأة.
تشرح رئيسة الجمعية نزيرة عز الدين الانطلاقة: «دعتنا مجموعة الأبحاث والتدريب إلى اجتماعات، بدايةً، في المنازل، وتابعونا حتى أصبح لدينا مركز»، قدمت السفارة اليابانية بعض التجهيزات إلى المركز، وقامت الوكالة الكندية للتنمية الدولية بتمويل المشاريع بحيث إن إدارة الأموال هي لمنظمة «أوكسفام».
لم يختصر بدايةً عمل السيدات على إخضاعهن لدورات علمية وإرشادية بل أصبحن ينظمن دورات تقوية في اللغات، الكمبيوتر، تدوير النفايات المنزلية، الأشغال اليدوية. أسسن مركزاً لاستقبال الأطفال، وخططن لكثير من النشاطات التي رأين فيها حاجات البلدة، منها ما هو في طور التنفيذ، ومنها ما هو قيد الدرس. اختتمن باكورة أعمالهن لموسم الصيف بحفل انتهاء المخيم النهاري للأطفال، الذي نظم بدعم من مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي وكل من جمعية أوكسفام كيبك والصندوق الكندي للتنمية الاجتماعية، شارك في هذا المخيم الصيفي الذي دام 10 أيام حوالى 160 ولداً وبنتاً، أشرف على تنفيذه 30 متطوعة وعاملة من الجمعية. والجدير ذكره أن النساء العاملات والناشطات في الجمعية والمتطوعات قد حظين بدورات تدريبية حول كيفية تنظيم مخيمات خاصة بالأطفال، بما يتضمن ذلك من مهارات ابتكار الألعاب ولوازم النشاطات وكيفية استعمال الفن بالتربية، والعناية بالأطفال ومهارات التواصل وذلك ضمن مشروع «تعزيز الفرص الاقتصادية المستدامة للنساء» أحد مشاريع CRTDA. هذا فضلاً عن العديد من الدورات التدريبية التي نظّمت في سياق المشروع منذ بدء نشاطاته والتي تتمحور بمعظمها حول التمكين الاقتصادي والاجتماعي والتوعية العلائقية الاجتماعية الاقتصادية والصحية. تضمن المخيم نشاطات متعددة منها أشغال يدوية، وأشغال من الطبيعة، تعليم أغانٍ، وحوارات إضافة إلى تنظيم زيارات ميدانية للجيش اللبناني، وأخرى ترفيهية للأولاد والبنات. ونذكر أن هذا النشاط هو أحد نشاطات جمعية التعاون النسائي في عرسال التي بدأت عام 2003 وحصلت على العلم والخبر عام 2005، والتي تعمل على تطوير وضع النساء وتمكينهن عبر خلق فرص جديدة للتواصل والحصول على المعلومات والموارد الخبرات.
أبدى جميع أطفال المخيم سروراً وفرحة كبيرة لناحية النشاطات الفنية والرياضية والترفيهية، وعبّرت الطفلة سارة الفليطي (11 سنة) عن فرحها: «نحنا مبسوطين كثير وما بدنا يخلص المخيم». وافق جميع الأطفال سارة وتمنّوا جميعاً أن لا ينتهي المخيم وطالبوا بتكرار التجربة.
الجمعية النسائية التي ولدت من رحم المجتمع الذكوري، راهن أهالي القرية على نجاحها، فالبعض رأى أنّها بدايةً «نسوان بدهن يتسلو»، والآخر: «بكرا بيزهقوا ..وبيبطلو»....الخ، لكن الجمعية أثبتت جدارة، فكسبت ثقة أهالي القرية وبشكل خاص الذكور منهم، ففي بداية مشروعها الأخير خلقت حركة اقتصادية، تقول حياة الحجيري إحدى المؤسسات: «شغّلنا أغلب دكاكين ومحال ومطاعم وملحمات القرية وحتى عدداً من الفانات لنقل الأطفال»
حاول الذكور الانتساب إلى الجمعية لكنهن رفضن ورأين أنّهم أصدقاء، أردنها أن تبقى جمعية نسائية صرف. جمعية النساء الوحيدة في عرسال أو النشاط النسائي النوعي الأول في البلدة لم يردنه أن يُطعّم بالرجال ويُجمعْن: «لا نريد للرجال أن يستأثروا بالقرار في الجمعية أو يضغطوا علينا، نريد إثبات وجودنا وقدرتنا بقوة وحدنا».
قلبت الجمعية المقاييس والمفاهيم في حياة النسوة العرساليات، فقد نقلتهن من عالم الولاء للتقليد والروتين والقبول بالإملاءات إلى عالم المعرفة والوعي القائم على الحوار والمناقشة والدراسة والتمكين وإثبات القدرات ...، وأثّر ذلك في مستوى أخذ القرار والمشاركة بقوة.
حياة الحجيري تعشق العمل الاجتماعي، وتمضي كل الوقت في الجمعية حتى أطلق أهل البلدة على الجمعية اسم «جمعية حياة»، وتقول « صرت أشتاق للبيت، لأنه الجمعية آخذتلي كل وقتي»، عززت الجمعية بنشاطاتها عامل الثقة بالنفس لدى السيدات، فتحت آمنة الحجيرى محلاً للأدوات المنزلية بعدما خضعت لدورات «كيف تصنع مشروعاً خاصاً بك» وتقول: «منذ أن بدأت العمل بالجمعية، زادت ثقتي بنفسي وجرأتي وحب الاطلاع، والاكتشاف في مجال عملنا أصبح هوايتي المفضلة». نزيهة عز الدين تفرح كثيراً عندما ترى الابتسامة على وجوه أطفال المخيم فتنسى كل تعبها: «كانت حياتي روتينية، أقضيها بتبادل الزيارات والسولفة، بينما اليوم أشعر بأن الوقت يداهمني وأريد أن أنجز عمل بيتي وأذهب إلى الجمعية»، فقد تغيّر نمط حياتها وانعكس ذلك على نوع الحديث الذي «اتجه نحو الأفضل بكثير وتولّد عندها حب للمطالعة».
هدى ملوك، كانت تشعر بالخجل عندما تشارك في حديث ما، وبالإرباك من التكيّف الاجتماعي، لكنّها اليوم خلّصت نفسها من ذلك، واتجهت نحو النقاشات الاجتماعية في كل جلساتها.
أجمعت كل من: «عبير زعرور، نزيرة عز الدين، حياة الحجيري، آمنة الحجيري، فطوم عودة، صالحة الحجيري، رانا الحجيري، ريما كرنبى، صفية البريدي، وفاء شحادة، نزيهة عز الدين، هدى ملوك، ايمان الحجيري، ناهدة الفليطي، مي الحجيري ... وكل المتطوعات «على أن الجمعية خلقت لهن عالماً خاصاً يربط جسوراً علائقية مع مجتمع المدينة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومع المجتمع المحلي بكل شرائحه، الذي بدأ يتفاعل معهن بإيجابية كبيرة.