جاد نصر الله
من أين نبدأ الحديث عن جان بيار لو دانتيك؟ كيف نقارب هذا الرجل المتشعّب؟ إنّه مصمم حدائق. مؤرخ وكاتب سيرة الحديقة الفرنسية. معمار مصنّف من قبل الدولة، وعميد سابق لجامعة Paris-la villette. مهندس مدني متخرّج من «المدرسة المركزية للفنون والصناعات» في باريس، التي برز من بين صفوفها أهم مهندسي الثورة الصناعية. روائي وصحافي. مُعِدّ وكاتب سيناريوهات العديد من الأفلام الوثائقية.
سيرة مزدحمة بالعناوين الكبيرة. حين تضع اسم جان بيار لو دانتيك في محرك البحث، تبرز لك صورة شخص آخر. حتى تخال نفسك أمام رجلين لاسم واحد. لو دانتيك هو أيضاً القائد الطلابي البارز لثورة أيار/ مايو 1968 في فرنسا، وعضو مؤسس لحركة «الماويين». عاصر أندريه بروتون، وجان بول سارتر، وميشال فوكو، وجيل دولوز وموريس كلافيل، ولم يكن قد تجاوز حينذاك عقده الثاني.
كان دخوله عالم الهندسة مصادفةً. أصرت عائلته الميسورة على أن يدخل إلى معهد الـ polytechnique. فاوض أهله وتوصّل الى تسوية ذهبت به الى دراسة الهندسة المدنية لأنّه يحب الرياضيات والعلوم. يومها، راهن أنّها ستفتح له باباً الى العلوم الإنسانية من أجل تحقيق حلم من اثنين: أن يصبح ثورياً يغيّر العالم أو يغدو كاتباً. لم يغيّر جان بيار العالم، لكنّه صار كاتباً غيّر نظرته الى الثورة، واستعاد بعد ثلاثين عاماً مع رفيقيه أوليفيه وجان رولان سيرتهم الذاتية في روايات متعددة. في 1970، انخرط في حركة «اليسار البروليتاري» التي تَحَلَّقت في محترف التشكيلي دافيد غرامبير واتخذته ناصحاً لها، وكانت وريثة أفكار «اتحاد الشباب الشيوعي الماركسي اللينيني» في فرنسا.
تأثرت حركتهم بالثورة الثقافية للحزب الشيوعي الصيني، ورأوا في خطابات ماو تسي تونغ، ماركسيةً أكثر إنسانية. سنوات من الوهم قطعها في عام 1971 الموت المفاجئ للقائد الشيوعي الصيني لين بياو الذي كان يقود حركة إصلاحية ضد الفساد المستشري في الحزب. «أعادنا هذا الأمر الى مراجعة أفكارنا ونظرتنا الى الثورة الثقافية. واستنتجنا أنّ كل ما يحصل لم يكن إلا وهماً. وفي الحقيقة، كانت مناورة للحزبيين المتنازعين على السلطة» يقول جان بيار لو دانتيك، مستعيداً تلك المرحلة الحبلى بالتحوّلات.
يحكي عن مرحلة ما بعد أيار 1968، والنقاشات التي لا تنتهي مع الجيل الأكثر نضجاً كسارتر وفوكو. وهو يرى أنّ هذا التبادل الفكري حمى جيله الشاب من التطرف ومن تشكيل مجموعات على شاكلة «بدر ــــ ماينهوف» في ألمانيا. خمدت الثورة في قلوب المنتصرين أو ربما اتخذت أشكالاً أخرى. حَلّوا تجمعهم في عام 1973 بقرار منهم. لملم الرفاق أوراقهم، وذهب كل في طريق الارتقاء المهني والمعرفي. فتحت الجامعات أبوابها لجان بيار المتزود بالمعرفة، حيث بدأ تدريس الرياضيات ومواد البناء. كما واظب على إدارة صحيفة «لا كوز دي بوبل» (قضيّة الشعب) وكتابة المقالات.
وكانت هذه الصحيفة قد أدخلته السجن عام 1970 لأنّ القضاء الفرنسي رأى فيها إرهاباً وتحريضاً على الدولة. قدّم السجن له هدية مجانية: عزلة استمتع خلالها بالقراءة المكثفة وأحيت حلمه مجدداً بأن يغدو كاتباً. «حتى الحراس اهتموا بي اهتماماً خاصاً. اعتبروا أنّني سأصبح يوماً ما وزيراً، ولم يريدوا حينها أن أُكِنَّ لهم أي ضغينة». وفي عام 1978، أصَدَرَ روايته «مخاطر الشمس» (في إشارة الى الثورة). وعنه يقول «هناك انقياد تام الى التوتاليتارية حين نفكّر بتغيير التاريخ تماماً أو كما نقول بالفرنسية أن نشطر تاريخ العالم الى جزءين».
يتمتّع لو دانتيك بقدرة هائلة على التعلّم. لم يتوقف يوماً عن حصد الشهادات، في الوقت الذي كان يدير فيه صرحاً أكاديمياً ويشرف على أطروحات الدكتوراه. حتى إنّ شهادة العمارة مُنحت له من دون أن يتقدم بمشروع الدبلوم، أي على طريقة لو كوربوزييه. يعلمنا أنّه وزملاءه درسوا المعمار المصري حسن فتحي الذي اهتم بعمارة الفقراء. ولو دانتيك هو اليوم عضو في «وحدة التنظيم المديني العالمية» التي أطلقت مسابقة لدراسة واقع المدن المتشكلة عشوائياً: «لا يمكنك إلغاؤها، لكن يمكن تكييفها. إنّها واقع موجود لا يجب عزله عن المدينة».
ومن عالم الأرقام الجاف والحسابات الرياضية، انتقل الى حقل نضال جديد برع فيه وتربع زعيماً تاريخياً متفوقاً على جميع أسلافه: إنّه تصميم الحدائق والمنظر الطبيعي.
تسأله عن تحوله الغريب إزاء علم جمالي يتطلب حساسية عالية، هو المناضل الثوري الآتي من عالم الصناعة والعلوم. لا يجد إلا القول إنّ مجال تصميم المنظر الطبيعي هو سياسي في الدرجة الأولى. يخوض في النقاش ويعطيه أبعاداً سياسية اقتصادية، وأمثلة حية عن دول العالم. «الخطر الأساسي الذي يتهددنا اليوم هو الاحتباس الحراري وتبدل المناخ، وعلينا أن نصارع للبقاء». يشرح كيف أنّ جميع الدول الأوروبية تملك مناظر طبيعية وحدائق جميلة، لكن السبب الذي يجعل فرنسا الأولى عالمياً لجهة جمال مناظرها الطبيعية هو أن جميع حدائقها معالجة في أفضل شكل.
ويبيّن بالأرقام كيف أنّها العامل السياحي والمورد الأكثر رفداً للمال لخزينة الدولة. وهنا يبدأ بالمقارنة مع لبنان الذي يزوره للمرة الثالثة بدعوة من «قسم التنظيم المديني» في الجامعة اللبنانية، بالتعاون مع السفارة الفرنسية. يأسف لحال الساحل اللبناني، وكيف تزنّره الأبراج الهائلة على حافته وتسحق المواطنين، مغلقة جميع المنافذ للعامة. يشرح بالتفصيل عن الطاقة التي تختزنها المناطق الجبلية التي زارها، وكيف يمكن استثمارها لتمثّل مصدراً سياحياً مالياً كبيراً إذا أقيمت فيها المشاريع الصحيحة. «في الطريقة التي نقرأ بها المنظر الطبيعي لبلد ما، يمكننا أن نحلل سياسة نظامه الاقتصادي والاجتماعي المعتمدة»، هذا ما يقوله جان بيار لو دانتيك من دون حاجته إلى الغوص في دهاليز السياسة اللبنانية ورمالها. من هذا المنظور فقط، كوّن تصوره الخاص عن بلاد الأرز!



5 تواريخ

1943
الولادة في بلوفور ــــ بروتاني، فرنسا

1968
انخرط في الثورة الطلابية، وكان عضواً مؤسساً لـ«اليسار البروليتاري»

1978
صدور روايته الأولى «مخاطر الشمس»

2003
صدور سيرته الذاتية «انخطافات» التي تحكي نشأته وتؤرخ للحركات اليسارية التي خاضت انتفاضة أيار 1968، حتى انحسارها في 1973

2010
يقدّم في الخامسة عصر اليوم محاضرة بعنوان «تأويل المنظر الطبيعي والتصميم الحضري ـــ مثال باريس الكبرى» في «المبنى المركزي للجامعة اللبنانية» (المتحف/ بيروت)