إيمان الجابر

«هذا هو»، قال المخرج سليم صبري فور لقائه فراس إبراهيم. كان ذلك عام 1989. «هذه الجملة غيّرت حياتي، ومنحتني دور عمري في مسلسل «شجرة النارنج»»، يخبرنا الممثّل السوري الشاب. خلال إعداد العمل، عُرضت عليه ثلاثة مسلسلات دفعة واحدة. حينها، قرر الاستقرار في سوريا والتخلّي عن حلم العمل في مصر، وأرسل إلى أهله يطلب إليهم العودة إلى سوريا.
تقاسمت مصر وسوريا حياته وعائلته. «أنا إحدى النتائج الإيجابيّة للوحدة»، يقول منتج «أسمهان». هو ثمرة الحب الأولى لأب سوري وأم مصريّة، التقيا على شاطئ الإسكندرية خلال دورة تدريبية عسكرية أيام الوحدة. كان والده حينها مساعد ضابط. ثمّ انتهت الوحدة. استقال والده من الجيش وعاد مع زوجته المصرية إلى قريته قيرون (مصياف ـــــ شمال حماة)، قرية الشاعر ممدوح عدوان صديق والده. كان والده مولعاً أيضاً بالموسيقى والشعر، عمل مدرّساً، وحوّل منزله في مدينة البوكمال (محافظة دير الزور) إلى مكان أشبه بمعهد موسيقيّ يعطي فيه دروساً مجّانيّة.
كان فراس من أبرز تلامذته. علّمه العزف على العود والأكورديون، وعلّمه الإيقاع والغناء أيضاً. بين مدينة البوكمال وقرية قيرون، عاش فراس إبراهيم مرحلة مراهقته مع أخته الوحيدة هدى. والده يعلّم الأطفال الموسيقى، وأمّه تساعد على مجيئهم إلى الحياة، إذ اشتهر بين رفاقه بابن القابلة المصرية. «لم أكن أفهم مهنة أمي. حين كان يأتي غرباء في الليل يستنجدون بها، كانت تقطع أميالاً سيراً على الأقدام، في البرد والمطر، لتصل إلى قرى بعيدة. وأحياناً تضطر إلى عبور النهر والمشي في الطين. لطالما أُعجبت بشخصيتها القوية». أنجبت والدته في عمر متقدّم ابنةً سمّتها سندس، لكنها فارقت الحياة وهي في الثالثة. «أصعب ما واجهته في حياتي كان موت أختي. سمّيتُ ابنتي سندس». وحين طرق الموت بابهم للمرّة الثانية، كانت أكثر قسوة: «أبي كان صديقي الوحيد وأستاذي. كان يراني الأول والأفضل في كل شيء. قد تكون كلمة تحرّرت من حبه العظيم بعد وفاته قاسية... لكن هذا ما حدث». التمثيل لم يكن مهنة متوقّعة بالنسبة إليه. يبوح لنا: «اعتقدت أنّني سأكون موسيقياً، أو عازفاً، أو كاتباً. أمّا التمثيل... فلم أفكر فيه أبداً».
بعد نيله الثانوية العامة، أراد دراسة الموسيقى أكاديمياً، لكنّ عدم توافر معهد عال للموسيقى في سوريا، جعله يختار «المعهد العالي للفنون المسرحية» حين علم بوجود مادة موسيقى في منهاجه. خلال امتحان الدخول، وقف أمام اللجنة ومن أعضائها أسعد فضة والراحل فواز الساجر. سأله الأخير عن المشهد الذي حضره، فأجابه: «لم أحضر شيئاً». فقال له: «لماذا تقدمت للمعهد إذاً؟» فأجاب: «لأنّني أحب الموسيقى ويمكنني الغناء وإلقاء الشعر». يخبرنا ضاحكاً: «أجرى لي فواز الساجر امتحاناً في الموسيقى وإلقاء الشعر، وكانت المفاجأة أنني قُبلت». دفعته والدته إلى قراءة الأدب العالمي طفلاً، لكنه لم يكن يعرف شيئاً عن المسرح. «اكتشفته خلال الدراسة فأدهشني وسحرني بكامل طقوسه». صار حب الموسيقى يتلاشى أمام حب جديد. كان للعلبة الإيطاليّة وقع سحري على روحه «صرت مهووساً بها»، يقول.
ذهب إلى مصر لإكمال دراساته العليا، لكنّه سرعان ما توقف وبدأ يبحث عن أول فرصة للتمثيل. باكورته كانت مسرحية «أرزة لبنان» عام 1986، من إخراج زميله في الدراسات العليا أشرف زكي، نقيب الفنانين في مصر حالياً. بعد خمس سنوات من العمل في مصر حقق خلالها تسعة مسلسلات تلفزيونية كانت الفرصة الحقيقية تنتظره في سوريا. أواخر عام 1989، أثناء زيارته لبلده الأم، التقى الممثل زهير رمضان، فقدّمه الأخير إلى سليم صبري.
منذ ذلك الحين، أدّى أدواراً في أكثر من ثمانين مسلسلاً، مثّل في معظمها دور البطولة. لكن ثمّة أسماء وشخصيات التصقت به وطغت على اسمه الحقيقي، مثل شخصية محسن في مسلسل «خان الحرير» لهيثم حقي. غنّت أمل عرفة له في ذلك العمل «بعد عيني يا محسن»، فتعزّزت مكانة الشخصية في ذاكرة الناس. «أينما ذهبت كانوا ينادونني محسن».
في البداية، كان الأمر ممتعاً وجميلاً، لكنّه ما لبث أن صار كابوساً. «قد يتحوّل النجاح إلى فخّ حقيقي للفنان إن لم يعِ صاحبه ذلك». صار فراس إبراهيم يبحث عن أدوار مختلفة، لكنه كان يسمع من يقول: «فراس قدّم ما في جعبته، وهذا هو سقفه». بدأت الأدوار المعروضة عليه تدور في فلك شخصية محسن. «نجاحي قيّدني. وأردت أن أثبت أنني قادر على الإفلات من براثن النمطية». لكنّ المخرجين كان لهم رأي آخر. «أحسست بالعجز عن إقناعهم بأنني قادر على تخطي نجاحاتي السابقة إلى نجاحات مختلفة، لكن لم تكن لديهم الثقة بأنني أستطيع الذهاب إلى مكان آخر». كان لا بدّ له من وقفة مع الذات. «يبدو أن المخزون المعرفي والثقافي والعاطفي لديّ لم يكن كافياً، ولم يتطوّر. هنا الموهبة ليست كافية». أصبحت القراءة هاجساً بالنسبة إليه. بدأ يطالع كل ما له علاقة بفن التمثيل. نزل إلى الشارع وأخذ يبحث في سحنات الناس عن شخصيات يريد تقمّصها. «أردت ترميم نفسي وشحن عقلي وعاطفتي. صرت أبحث عن الاختلاف في النظر إلى الأشياء». هنا، قرر إنشاء شركة للإنتاج الفني. «أنتجت لأختلف لا لأمثّل كما يعتقد بعضهم. طموحي أن أقدّم أفكاراً مهمّة، ولم يسمح لي التمثيل بطرحها».
أنتجت شركته، التي بدأت نشاطها عام 2003، ستة مسلسلات هي: «حروف يكتبها المطر»، و«أهل المدينة»، و«أعيدوا صباحي»، و«أسير الانتقام»، و«ليل ورجال»، وأخيراً «أسمهان». أعمال فتحت له أبواب مصر من جديد، وأعادته إلى الدراما السورية بدور مختلف في النسخة الجديدة من مسلسل «أسعد الوراق» لرشا شربتجي. وهو أول عمل يمثله خارج شركته منذ إنشائها. لماذا لم يمثّل خارج شركته طيلة تلك المدّة؟ هل كان عقاباً على محاولته التغريد خارج السرب؟ يجيب: «لا تعليق».



5 تواريخ

1962
الولادة في اللاذقية (سوريا)

1985
تخرّج من المعهد العالي للفنون المسرحية

1994
مثّل في مسلسل «القيد» لغسان جبري وفي «خان الحرير» لهيثم حقي

2008
أنتج «أسمهان» و«ليل ورجال» وحصد عن دوره في الأخير جائزة أفضل ممثل في «مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون»

2010
ينهي تصوير مشاهده في العمل المصري «اغتيال شمس»، ويصوّر دوره في النسخة الجديدة من مسلسل «أسعد الوراق»، ويتابع العمل على مشروع محمود درويش