من طفولتها في القصر الذي تحيط به أكواخ الفقراء، ما زالت تحتفظ بعقدة ذنب، رغم أنّها اختارت التمرّد على أصولها الطبقيّة، وانخرطت في صفوف الحزب الشيوعي المصري، وصولاً إلى السجن. وفي باريس انخرطت في الثورة الطلابية عام 68. أستاذة الأدب المقارن في جامعة القاهرة لم تتغيّر على عتبة السبعين

دينا حشمت
تبادرني وهي تستقبلني في شقّتها المكتظّة بالكتب في كل غرفة وركن بالقول: «من الصعب أن أتحدّث عن نفسي مع كلّ ما يحدث في غزّة». تحكي عن الفعاليّات الأخيرة لـ«حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات»، من جمع التبرعات العينية، إلى زيارات الجرحى الفلسطينيين في المستشفيات المصرية.
لم تتخيّل أمينة رشيد نفسها يوماً منفصلةً عمّا يجري حولها. صغيرةً، أدركت معنى الأسوار المحيطة بالقصر الذي ترعرعت فيه. «حولنا كان الناس كلّهم فقراء. كنتُ أسأل أهلي، فيجيبون بأنّ العالم هكذا، وأنّ «ربّنا قرّر» أن هناك أغنياء وفقراء، وأن الأغنياء يعطون الفقراء». في التاسعة من عمرها، قذفتها مجموعة بنات بالطوب في حوش المدرسة، أليس جدّها إسماعيل صدقي باشا، رئيس الوزراء في النصف الثّاني من الأربعينيات، والإقطاعي الكبير المشهور باستبداده؟ وعلاوة على ذلك «كان يقال عنه إنّه عميل للإنكليز». داخل أسوار القصر، كانت تصلها هتافات التظاهرات التي عمّت البلاد: «عائلتي كانت تعيش على ضفّة، والشارع على الضفّة الأخرى. كنت أشعر بأنّ الشارع على حق». من هذا التناقض بين القصر والشارع، بين البيت الجميل الذي تعيش فيه والأكواخ المحيطة، ولد وعيها السياسي، «وشعور ما بالذنب» قد لا تكون أمينة قد تخلّصت منه تماماً رغم حياة زاخرة بالنضال في الخندق الوطني، وإلى جانب الكادحين.
ذهبت خالتها «للإقامة وسط الفلاحين» عندما انتشر وباء الكوليرا عام 1947، إذ إنّ عائلتها تضمّ مناضلين من طراز آخر، مناضلين قلبوا المعايير رأساً على عقب، ولم يقبلوا بأنصاف الحلول، ولا بـ«شفقة» الأغنياء على الفقراء. جيل من الرفاق المشاهير، بينهم محمد سيد أحمد، ابن خال والدتها الذي التحق بمنظمة شيوعية سرية. تتذكّر أمينة التي كانت وقتذاك في الثانية عشرة: «ترك رسالة قال فيها: «لا تبحثوا عنّي، سأستمر في كفاحي وسأتخلّى عن كل شيء». قرّر أن يعبر إلى الضفة الأخرى». كان بطلاً بالنسبة إليها.
لم تكن الأسوار الفاصلة بين قصر الزيتون والشارع حواجز اجتماعية فقط، بل ثقافية أيضاً. فقد عاشت أمينة رشيد في بيت يتحدّث الفرنسية، تعشق نساؤه إيف مونتان وإديت بياف، وتصف أم كلثوم بـ«البلدي». هكذا، درست أمينة بالفرنسية، وتعلّمت العربية لغةً أجنبية، ولم تتّخذ القرار بأن تعيش بها وتقرأها وتكتبها إلّا بعد التحاقها بالحزب الشيوعي المصري. محمد سيد أحمد كان وراء دخولها الحزب، إضافةً إلى «الأستاذ غرونييه» مدرّس الفلسفة: «أذكر أنه أعارني كتاب «عناقيد الغضب» للكاتب الأميركي جون شتاينبيك، و«الأم» للأديب الروسي ماكسيم غوركي، وأعداداً من مجلّة «الفكر» La pensée الماركسية»... وفي تلك الفترة أيضاً تعرّفت إلى شعراء المقاومة الفرنسية، لوي أراغون وبول إليوار والآخرين.
عندما اتخذت قرار العبور إلى الضفة الأخرى في ليلة فاصلة حاسمة، في الثالث من آذار (مارس) 1954 ــــ نعم، إنّها لا تزال تتذكّر التاريخ ــــ ذهبت إلى أولاد خالها، لكنهم رفضوا استقبالها خوف أن تعرّض نضالهم السرية للخطر. حاولت مرة أخرى مع آخرين ونجحت في أن تدخل حياتها الجديدة «بحماسة شديد»: «كنت أشعر بأن ما أقوم به فعلٌ بطوليّ. أهمّ عملٍ قمتُ به آنذاك كان الترجمة، نظراً لإتقاني الفرنسيّة». كان التضييق على المناضلين الشيوعيين قد بدأ، لكن العديد منهم ظلّوا يدعمون جمال عبد الناصر. ترى أمينة أن «المناضلين الذين اعتقلوا كانوا الوطنيين الحقيقيين»، وأنّ «نظاماً يعتقل وطنيين لا يمكن أن يكون نظاماً جيّداً». في عام 1958، حين تخرجت، وزّع عبد الناصر بنفسه الشهادات على المتخرجين، «نظرته نظرة صقر ثاقبة تشعرك بشخصيّته القويّة وبالخوف أيضاً». اليوم فقط «فهمتُ دوره الوطني وأهميّة إجراءاته، من تعليم مجاني وإصلاح زراعي، وإن لم تكن إجراءات جذرية».
دخلت أمينة رشيد المعتقل في عهد السادات سنة 1981، مع لطيفة الزيات وصافيناز كاظم، بعد عودتها من باريس، حيث عاشت 15 عاماً. «لم يكن منفى. فرنسا ثقافتي، بلدي الثاني، ما لم يمنعني من أن أنتقد السياسات الفرنكوفونية». لم تعجبها جامعة «السوربون» في البداية، ولا الجو الضبابي، وبدا لها الفرنسيون «باردين». لكن سرعان ما تعرّفت إلى أصدقاء من العالم الثالث، واكتشفت متعة السينما في أعمال فرانسوا تروفو وإنغمار برغمان ومايكل انجلو أنطونيوني. كانت تتردّد على الحي اللاتيني وتتنزه في حديقة اللوكسمبورغ، ثمّ اندلعت ثورة «أيار (مايو) 68» الطلابيّة. «رأيت المستحيل يتحقّق أمامي. أبهرني الإضراب العام الذي دام شهرين. كانت الشوارع فارغة. لم يكن هناك بريد ولا بنزين. كنا نعتمد على التضامن في ما بيننا».
لكنّ حركة 68 لم تمحُ نكسة 67. نظّم المصريون في باريس تجمعاً أمام سفارة بلادهم، لرفض تنحي عبد الناصر عن الحكم. شعرت أمينة بأنّه لا بد من أن تعود، لكنّها ترددت طويلاً. «جئت إلى مصر في إجازة وكنت مبهورة بكل شيء، برائحة الثوم وزحمة الأوتوبيس. فهمت أن رغبتي الدفينة هي أن أوجد في مكان أحب روائحه». سنة 1981 تركت ابنها مروان مع زوجها السابق، الفيلسوف والرياضي المصري رشدي راشد، واستقلّت الطائرة إلى القاهرة.
اليوم تصالحت أمينة رشيد مع نفسها واستوعبت شعورها بالوحدة أينما كانت، «وسط مجموعة، فرنسية أو مصرية». تعلّمت كيف تستفيد منها. زوجها الناقد والروائي سيد البحراوي «أدى دوراً مهمّاً في هذا». أما حياتها المهنية فلا تزال فرنسيّة اللغة، فهي تدرّس الأدب الفرنسي في جامعة القاهرة. يعرفها طلابها مدرّسة أدب مقارن ويحبونها، لا لأن استطراداتها تخرجهم من رتابة الدروس فحسب، بل كذلك لأنها تعرف كيف تتجاوز العلاقة النمطية بين الأستاذ وتلميذه إلى علاقة إنسانية: «أحب عملي، لكنني أضجر أحياناً. أشعر بأني أريد أن أبقى في البيت كي أقرأ وأكتب. لكن فور دخولي قاعة المحاضرات أنسى كل هذا».
لا تزال أمينة، وهي في السبعين، يَقِظةً متحفزة. شاركت في تظاهرات دعم مقاومة الشعب الفلسطيني، وفي تأسيس «المجموعة المصرية لمناهضة العولمة» سنة 2001. وهي كما صوّرتها تهاني راشد في فيلم «أربع نساء من مصر»، صامتة ومنطلقة، تلقائية ومنطوية، وقبل كلّ شيء، متمسّكة بخيارها الفاصل: أن تكون ماركسية. لم تقرأ مذكرات جدها إلا أخيراً، بعدما تصالحت مع تاريخها. تاريخٌ ساعدها على تفهّم تناقضات الآخرين، وبثّ فيها تلك الروح المتسامحة التي تجعلك تشعر بالارتياح في حضورها.



5 تواريخ

1938
الولادة في القاهرة

1954
عبرت إلى «الضفّة الأخرى»، صارت شيوعيّة

1981
دخلت المعتقل مع آلاف المعارضين لسياسة السادات

2001
صدور ترجمتها لكتاب جورج بيريك «الأشياء» بالاشتراك مع سيد البحراوي

2009
جمع التبرّعات لأهل القطاع ضمن «حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات»