أبو السينما الفلسطينية: بحثاً عن المموّل المفقود



نوال العلي
ليس في ما يقوله مصطفى أبو علي ما يضحك، لكنّه يجد متعة ولذةً في استعادة حياةٍ غيّر مجراها مراراً استجابةً للضجر أو لهاجسٍ داخلي... وها هو الآن يسترجع حماقات الشباب، فتعلو ضحكاته: «أنا مجنون». والمجانين لا يعرفون الندم. الرضى الذي يظهر على وجه أبي السينما الفلسطينية، يقول إنّه لم يعرف الأسى يوماً، لكنّ الحقيقة هي غير ذلك طبعاً. السينما التي وجد نفسه فيها بعد تقلّبات ما كان ليتوقعها أحد، لم تمنحه ما يريد حتى الآن، والفيلم ـــــ الحلم ما زال، في مخيّلة الرجل السبعيني، فجاً لم يتحقّق. كانت الثورة والمقاومة الشغل الشاغل لأعماله مذ بدأها، أيّ إنه ظلّ مقيّداً بسلطة ما. في البدء، كان مرهوناً لوزارة الإعلام الأردنية التي كانت الجهة التي أرسلته لدراسة السينما ووظّفته... ثم لـ«فتح» التي انتسب إليها لاحقاً.. والآن هو أسير ضيق ذات اليد، يمضي في البحث عن المموّل المفقود.
تُدهِش كيفيّة وصول أبو علي ابن قرية «المالحة» إلى الفنّ السابع. إذ كان مجرد طالب نجيب يدرس «الصحة العامة» في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث كان خروجه الأوّل عن النص. كيف لا؟ وهو مصطفى الريفي ابن نقّاش الحجر القادم من عمان القروية إلى بيروت عام 1958. أما بيروت، في الخمسينيات، فمسألة أخرى. هنا، عرف الحب من طرف واحد، وشرب الخمر أول مرّة، وكانت بيروت بالنسبة إليه مدينة الاكتشافات الأولى. ليس مستغرباً إذاً أن يشعر بنكوص حقيقي حين يغادرها إلى السعودية، للعمل في «آرامكو»... كأنّ أحداً صفق باب الحياة بقوّة في وجهه. طوق النجاة كان في الولايات المتحدة، حيث حصل أبو علي على منحة لدراسة الهندسة في جامعة بيركلي عام 1961.
لكنّ ثلاثة أعوام ونصف عام من دراسة الهندسة لم تكن كافية لإقناع الشاب بأنّ هذا الاختصاص يناسبه. كان يلعن الظروف، ويلقي اللوم في إخفاقه بالتصالح مع الهندسة، على البيئة التي نشأ فيها، حيث البساطة والقسوة والجهل. في أميركا، كان مأخوذاً بالمسرح والسينما والموسيقى، فترك الهندسة لدراستها ولمّا يمسك آلةً في حياته. هكذا، سيخسر منحته في «بيركلي»، ويمضي عاماً في دراسة تخصّص لن ينجح فيه ولن يتمكّن من تحمّل تكاليفه.
الطريف أنه قُبل في «المعهد الموسيقي للمحترفين في سان فرانسيسكو»، بعدما أقنع رئيسه بأنّ ضالته الحقيقيّة هي الموسيقى... وفعلاً سيظهر تعلّقه بها بعد سنوات في أفلامه، وخصوصاً شريط «ليس لهم وجود»، حيث كانت موسيقى باخ ترافق قصف الطائرات، بعد سماع موسيقى السنباطي في رباعيات الخيام. وقد أثار هذا الاستعمال للموسيقى اهتماماً كبيراً بين النقاد، وقيل إنّه تأثر بفرانسيس فورد كوبولا في فيلم «الرؤيا الآن» Apocalypse now (عن حرب فيتنام)، لكنّ شريط كوبولا أُنتج 1979 بينما أنتج عمل أبو علي سنة 1974.
وفي عام 1966، سيترك مرّةً أخرى كل شيء ويغادر إلى مصر. هناك أوشك أن يبدأ مرة أخرى من الصفر لدراسة الهندسة في جامعة القاهرة. لكنّه أحس بالضجر، وما هي إلا شهور حتّى تقدّم من وزارة الإعلام الأردنية للحصول على منحة لدراسة السينما في «مدرسة لندن لتقنيّات الفيلم»، في بريطانيا، وقد أدرك أنّ السينما تجمع كل ما يحبّ من الفنون. فكّر أنّه ربما سيتمكّن من الاستقرار أخيراً. لمَ لا؟ لن يخسر شيئاً في المحاولة.
لم يكن مصطفى كأبناء جيله، ولم تكن السياسة الشغل الشاغل للسينمائي الجديد الباحث عن نفسه. لم يدخل حينذاك في أي تنظيم أو حزب، وظلّ منهمكاً بقضيته الداخلية: كيف يصل إلى ما يريد؟ عند وقوع النكسة عام 1967، انتبه إلى أنّه لم ينخرط يوماً في السياسة، فعاد إلى عمّان، وأنهى دراسته في العام نفسه، وانضمّ إلى حركة «فتح»... لكنّه لم يكن ذلك الشخص الذي قد يشارك في الكفاح المسلّح. كان يرغب في إنتاج أفلام عن الفدائيين والثورة وحلم التحرير فقط، لكن كيف وهو يعمل في مؤسسة رسميّة أردنيّة حيث يزوره صبيان الاستخبارات بين فترة وأخرى، ليتأكدوا من أنّه ما زال أليفاً كما عهدوه؟
«الحق الفلسطيني» فيلمه الأول، خلق مشكلةً، إذ «كانت وحدة الضفتين أمراً حساساً، وأي ذكر لفلسطين يعني التشكيك بأنّ ذلك الجزء يخصّ الأردن». لمثل هذه الأسباب، ظلّت مجموعة من أفلام أبو علي مجرد أشرطة لم تبصر النور. حتى قرّر هو ورفيقاه هاني جوهرية وسلاف جاد الله تأسيس «وحدة أفلام فلسطين». كانت العلاقة بين الفدائيين من جهة والنظام الأردني من جهة أخرى تزداد سوءاً، وبدأ العداء يظهر على السطح، فبادرت «وحدة أفلام فلسطين» إلى توثيق الاشتباكات والتظاهرات والعمليات العسكرية والتدريبات، وصولاً إلى أحداث أيلول الأسود عام 1970.
في ذلك العام، كانت «فتح» ستنتج فيلماً عن المقاومة من إخراج جان لوك غودار، وكان مصطفى أبو علي مساعده... لكنّ الأحداث أوقفت كل شيء. وظهر بدلاً منه «بالروح بالدم» لمخرجنا وحده، ومن بيروت طبعاً حيث انتقل ليعيش. الفيلم يعرض تفاصيل أيلول الدامي حيةً، الاشتباكات والتفجيرات التي أحرقت الفلسطينيين في مواقع عسكرية وفي المخيمات. وكان النص يعلّق على اتحاد الإمبريالية الأميركية والصهيونية وبعض الأنظمة العربية لوأد المقاومة.
اليوم ينظر إلى الأمور «على نحو مختلف». يقول أبو علي: «لم نأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر النظام الأردني. ربما تكون المقاومة مثّلت تهديداً لاستقراره في تلك الفترة، لكننا لم نكن نفكر إلا في التحرير».
انتقلت المقاومة إلى بيروت، وانتخب أبو علي رئيس «جماعة السينما الفلسطينية» عام 1971. وظلّ كذلك حتى الرحيل الكبير عن بيروت عام 1982. أنتج خلالها مجموعة أفلام تسجيلية «مشاهد من الاحتلال في غزة» (1973)، «على طريق النصر» (1975)، «تل الزعتر» (1977) بالاشتراك مع جان شمعون، بينو أدريان... وحصل على تمويل لإنتاج «المتشائل» لإميل حبيبي، ولكن الاجتياح وأد المشروع في مهده.
«فتح» أيضاً لم تنظر إلى مشروع أبو علي بجديّة. كانت تتركه على هواه حتى يقترب من مناطق خطرة فتوقفه: مثلما حدث عندما أراد إخراج فيلم مقتبس من رواية لرشاد أبو شاور تدور أحداثها عن قصة حب تحدث سنة النكبة. من المستهجن أن تنتج المقاومة فيلماً عن الحبّ! إنّها سينما الثورة فقط، هذا هو الوصف الدقيق لأعمال أبو علي. صحيح أنّها كانت متواضعة، لكنّ تقويمها خارج زمانها وظروفها فيه ظلم للمخرج، علماً بأنّ السينمائيين الفلسطينيين كانوا قد توزعوا على السينما المصرية والسورية واللبنانية.
لم يركب أبو علي البحر إلى تونس، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان. قصد دمشق حيث ظلّ ستة أشهر ثم عاد إلى عمّان. هناك، مكث عشرة أعوام بلا جواز سفر... لكنه أسَّس وترأس مؤسسة «بيسان» للسينما عام 1984، وما إن وُقّع اتفاق «أوسلو» حتى باع أبو علي كل ما يملك، وعاد الى فلسطين، وما زال يحلم بإخراج فيلم روائي طويل حتى هذه اللحظة.



5 تواريخ

1940
الولادة في قرية المالحة في فلسطين

1967
«الحق الفلسطيني» أول أفلامه

1970
مساعد للمخرج الفرنسي جان لوك غودار في فيلمه «هنا وهناك» Ici et Ailleurs.

1993
العودة إلى فلسطين بعد «أوسلو»

2004
إعادة تأسيس «جماعة السينما الفلسطينية» برئاسته في رام الله