هي كأس لا بد من أن يتجرعها كل متجه من الشمال إلى العاصمة أو بالعكس. هناك، وتحديداً بين جل الديب والدورة، تتجلى زحمة السير بأكثر أشكالها قهراً للمواطن، وامتحاناً لأعصابه


اليسار كرم
إنها الثامنة والنصف صباحاً. تجلس نسرين في سيارة الأجرة «المحرتقة» بانتظار أن تتحرك عجلاتها لتقربها أكثر من مكان عملها في جديدة المتن. تتصبب عرقاً وتأخذ نفساً عميقاً وتنظر بشيء من الغيرة إلى الوجوه المتخفية وراء زجاج السيارات المكيفة. تتردد قبل أن توجه الكلام لسائق الأجرة لعلمها أن لا حول له ولا قوة «قرب شوي يا عمّ. احترقوا أعصابي». فيجيبها بحنق وهو يطفئ السيارة «احترقوا البنزينات وبعد ما مشينا». ينظر إلى الجسور الجاري بناؤها ويضحك ساخراً «تنشوف شو رح يتغيّر».
لعل المرور في منطقة نهر الموت، الواقعة بين جل الديب والجديدة والدورة، بات كأساً لا بد من تجرعها بالنسبة إلى المتوجهين نحو العاصمة أو الخارجين منها. فهذا المدخل الشمالي للعاصمة يشهد مرور قرابة 250 ألف سيارة يومياً وفق آخر الدراسات عن أوضاع السير. والسائقون الذين يخضعون يومياً لامتحان الأعصاب لدى سلوكهم هذا الطريق باتوا على قناعة بأن الطرق لا تستوعب، برأيهم، عدد السيارات التي تسير عليها قاصدة «مركز القرار» والأشغال والوظائف. ولتخفيف الازدحام بدأ مجلس الإنماء والإعمار مطلع العام مشروعاً لبناء جسر يصل بين المتن وبعبدات، العطشانة، عين علق، بتغرين وأوتوستراد الشمال؛ لتخفيف الضغط عن الخط الممتد بين الدورة وأنطلياس. هذا المشروع الضخم الذي يضم 3 جسور من الباطون المسلح لم يحل حتى الساعة مشكلة «العلقة»، غير أنه حدّ قليلاً من الأزمة بعد فتح الطريق على أحد الجسور في تموز الفائت، ما أدى لتخفيف الضغط عن خط إنطلياس ــــ الدورة والنفاذ من أوتوستراد جل الديب إلى الجديدة مباشرة.

الجسور التي كلفت 21 مليون دولار لن تحل المشكلة بنظر خبراء السير
بعض السائقين الذين يتخذون نهر الموت نقطة تجمع لهم، يعتقدون أن الجسور التي ترتفع هي فقط لوصل بلدات المتن الشمالي بالمتن الساحلي وبعضهم الآخر يظن أنها تمثّل طرقاً جديدة إضافية يمكن سلوكها بدلاً من الطرق القائمة، فيما يستسهل كثيرون اتهام المشروع بأنه «تنفيعة» أرادتها وزارة الأشغال.
في الواقع، يمثّل أحد الجسور الثلاثة بديلاً من الجسر القديم المتصدع الذي يصل الجديدة وسن الفيل بالشمال واستُحدث عليه مفرق نافذ إلى جل الديب. أما من يسلك الطريق نحو الشمال من جهة الدورة أو سن الفيل فسيصبح بإمكانه العودة إليهما من خلال نصف استدارة يقوم بها عند أكثر من نقطة على الجسر الجديد.
هذه الجسور التي كلف بناؤها 21 مليون دولار (ممولة من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والصندوق الكويتي للتنمية) لن تحل جذرياً المشكلة بنظر خبراء السير. ويوضح الخبير تمام نقاش «أن الزحمة هي من عوارض المرض الحقيقي الذي يكمن في غياب تصور متكامل لمنظومة نقل متعددة الوسائط يكون النقل العام المشترك عمادها الأساس». ويضيف «بدون العمل جدياً على تنفيذ سياسة متكاملة للنقل فإن المخاوف من النمو الديموغرافي وتالياً ازدياد عدد السيارات ستصبح واقعاً لا محالة. إن مشكلة السير «تدار» ولا «تحل» بالمعالجات الموضعية. كما أن انتظام السير يتطلب تضافر 3 عناصر: حلول تقنية، وعي من مستخدم الطريق، الحزم في فرض القانون. والإنفاق على الحلول التقنية يذهب هباءً دون توفير العنصرين الآخرين المطلوبين».
لم تتمكن «الأخبار» من الحصول على موقف رسمي من مجلس الإنماء والإعمار، غير أن مصادره رفضت تحميله مسؤولية سوء التخطيط لإدارة المشكلة. وأكدت المصادر التي رفضت الكشف عن هويتها أن مهمتهم تنفيذية وهو يتبع وزارة الأشغال التي تقع على عاتقها مسؤولية وضع استراتيجية متكاملة للنقل العام للتخفيف من استعمال السيارات الخاصة. ولفتت المصادر إلى «ضرورة اعتماد اللامركزية لتخفيف الضغط عن بيروت وخلق فرص عمل أكبر، نوعياً وكمياً، في مختلف المناطق».