يستعيد كورنيش «المارينا» في الضبية حيويّته عند كل مغيب شمس. هذا الكورنيش الذي يمثّل متنفّساً للكثير من سكان قضاء المتن المحروم من واجهته البحرية في مناطق كثيرة، يزنّر نادي «المارينا» لليخوت، ويتّخذ اسمه فقط مجرداً من «البريستيج» ومظاهر الثراء والترف


اليسار كرم
رجال بالـ«شورت» والـ«بروتيل» ينفثون دخان النارجيلة في الفضاء كمن ينفث همومه ليبعدها. أولاد يلعبون على دراجاتهم الهوائية أو يتقاذفون الطابة. سيدات يمشين بثياب فضفاضة بسيطة من دون تبرج. هواة الرياضة يمشون أو يركضون على وقع الموسيقى في آذانهم، ويقاومون رائحة العرانيس المشوية التي «تطعّم» الهواء بنكهتها. هكذا بعدما كان شاطئ الضبية يستعدّ لإقامة ما يشبه «سوليدير» ثانية إثر صفقة عقارية ضخمة (عام 2006) بين مستثمرين لبنانيين وخليجيين وشركة جوزف خوري، التي تملك «مارينا اليخوت»، تحوّل اليوم إلى مساحة حرية للهاربين من سجن الباطون، المتمثّل في العمارات المتلاصقة بدون أية فسحة للتنفس واللهو، والراغبين في التفلّت من شكليات الحياة المدينية ورتابتها وأقنعتها، على الرغم من أنّ «صيته مش ولا بد» كما يقال، ومن علامات الاستفهام المتكاثرة عن أسباب عدم إنارته.
ليس بعيداً عن ضجيج بيروت وضوضائها، على ساحل المتن الشمالي، بين فندق «لو رويال» و«قصر المؤتمرات» تتوافد السيارات من نواحي المتن كلّها، لتصطفّ أمام الرصيف العريض المطلّ على البواخر التجارية واليخوت الفخمة وفلوكات الصيادين المتناثرة في البحر. سيارات قديمة «محرتقة»، وأخرى جديدة وبرّاقة يركنها أصحابها «الأكابر» من دون الاستعانة بفاليه باركينغ، تتوزّع بينها الدراجات النارية المزينة بأعلام البرازيل وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والأرجنيتن وغيرها من البلدان المشاركة في المونديال، وإن خسرت. أصحابها يبحثون عن مكان يتفلّتون فيه من القيود المجتمعية. يأكلون العرانيس بعفوية وشهية أهل الجرد، يملأون المدى المفتوح بضحكاتهم الرنانة، يجلسون على حافة الباطون التي تعلو الرصيف، أو على كراسٍ بلاستيكية حملوها معهم خصيصاً، أو يفترشون الأرض غير آبهين بأكياس النايلون المتطايرة وأعقاب السجائر وأوراق الشجر اليابسة. يتركون على الحائط خربشات تشير إلى «مرورهم من هنا»، ويكتبون شعارات تنادي بالـ«السيادة والحرية والاستقلال» في حياتهم الخاصة.
بائع العرانيس والترمس وعلب السجائر يستقر مع عربته في مكان واحد. «اليوم ما في حركة. الناس ملهية بالفوتبول»، يقول لمساعده. يسليهما التكهن بهوية الفريق الفائز في المباراة التي فاتتهما متابعتها، ويتوقعان وصول المنتخب الإسباني للنهائيات. وبين وقت وآخر يجولان بنظريهما ناحية الطريق العام لعلهما يطردان الضجر، أو يجدان زبائن جُدداً. العائلات تتجمّع كلها في جهة واحدة، وتترك المساحات الهادئة نسبياً لعشاق تجرّأوا على الاستستلام لرومانسية لا يبيحها المجتمع. هنا، بعيداً عن الأدبيات الخبيثة، يسبحون بنظراتهم التائهة في بحر من الألوان التي تنثرها الشمس قبل مغيبها، ويتركون لغة الجسد تعبّر عن مكنونات قلوبهم. يرتاب البعض من هذا الأمر، ويعتقدون أنه السبب في انتشار صيت سيّئ للمارينا. يقولون «بعد قليل سيخيّم الظلام، لذلك سنوضّب أغراضنا ونذهب. في معنا ولاد». وقد تكون ريبة البعض في مكانها، إذ تغيب الكهرباء على امتداد الكورنيش، الذي يصل طوله إلى ثلاثة كيلومترات على الرغم من وجود أعمدة الإنارة. «الأوادم» و«ولاد العيل» يخلون الساحة، كما يقولون، لتتحول إلى مكان للتسكّع والفلتان ولـ«حركات النص كمّ».
في الواقع، تفصل بين الرصيف البحري وأوتوستراد الضبية مجموعة من العقارات المبيعة، التي تمثّل جزءاً من مشروع ردم ساحل المتن الشمالي، الذي بدأ منذ عهد الرئيس أمين الجميل، واستُكمل أخيراً بعد سلسلة إشكالات وخلافات. وبانتظار البدء بتنفيذ المخطط لإقامة مدينة بحرية حديثة تتضمّن مشروعاً سياحياً متكاملاً، تبقى هذه العقارات خالية إلّا من العشب اليابس، الذي كلما ارتفع كوّن ستارة طبيعية يختبئ وراءها كل من يريد الابتعاد عن نظرات الفضوليّين وثرثراتهم ووشاياتهم. غير أنّ ثكنة الفهود وفوج التدخل السريع الملاصقة للمدخل الشمالي للكورنيش توحي بغير ذلك، والدوريات المستمرة باتت تطمئن الروّاد إلى أنّ «الآداب العامة مصانة، واللقاءات المشبوهة لم تعد متاحة»، كما قال أحد عناصر فوج التدخل السريع خلال قيامه بدورية مسائية. وأضاف «لا أحد يتعرّض للجالسين بوضعيات حميمة فهم أحرار، وخصوصاً إذا كانوا داخل سياراتهم، لكننا نتدخّل إذا تخطوا المسموح به»، من دون أن يحدد ما هو الممنوع والمسموح به. وتابع «نحن هنا بالدرجة الأولى لمنع تعاطي المخدّرات أو تبادلها بين التجار». لا ينفي علمه بما يُشاع عن المكان، وما يُقال عن إلقاء القبض على المهربين وتجار المخدرات الذين يستغلّون، كل ليلة، الظلمة المحيطة بالمكان للتحرك بخفية، لكنه يؤكّد أنّ المخالفات ليست بالقدر الذي يُحكى عنه «إذ يُلقى القبض على مخالف أو اثنين في الأسبوع، وفي ساعات متأخّرة من الليل».
واعترف مصدر في بلدية الضبية في حديث لـ«الأخبار» بتقصير البلدية التي لا تسيّر دورياتها بطريقة منتظمة، ما «يزعزع اطمئنان المواطنين إلى أنّ المكان آمن، ويفتح المجال أمام الخارجين عن القانون بالاعتقاد أنّ المكان «سايب وفلتان»، وفق ما قال المصدر. أمّا عن أسباب عدم إضاءة المكان، فيصمت طويلاً قبل أن يهزّ كتفيه ويقول «إنه الإهمال». وأعلن عن «مشروع قيد الدرس يقضي بأن تضع البلدية أكثر من «كيوسك» على طول الكورنيش، ما يدفع أصحاب الكيوسكات إلى التعاون والتنسيق لتحسين وضع الكورنيش تدريجياً، ليصبح مقصد العائلات والأصدقاء والمواطنين كافةً، وخصوصاً أنه المتنفّس الوحيد في المتن».



أكبر مرافئ اليخوت

مثّلت منطقة الضبية مرفأً لتموين الميليشيات المتحاربة اللبنانية بالذخيرة وللتهريب وغيرها زمن الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990). كثيرة هي الخبريات والقصص عن المرفأ غير الشرعي في تلك الأيام، غير أنّ المنطقة البحرية الجميلة اليوم باتت تجذب محبّي رياضة ركوب اليخوت والرياضات البحرية الأخرى مع وجود نادي «المارينا» الخاص، حيث يُركَن قرابة مئة وخمسين يختاً فاخراً، ما يجعله أحد أكبر مرافئ اليخوت في الشرق الأوسط قاطبةً، رغم روائح البحر الزنخة المتأتّية من مياه الصرف الصحي والتلوّث في ذلك المكان.