مثّل وضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، رغم أنه «ليس بلد لجوء»، مادة دسمة للسياسيين يلجأون إليها عندما «تتلخبط» الحسابات في تقاسم المكاسب، استناداً إلى عدد المنتمين إلى كل طائفة. وإذا كان الخوف «الديموغرافي» من التوطين هو المانع الأساس، فإن التجنيس لم يكن دوماً مستبعداً عن الفلسطينيين


اليسار كرم
العاصفة التي اثارتها اقتراحات اللقاء الديمقراطي للقوانين المعجلة المكررة ، بهدف تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، أثار ذكريات العديد من العاملين على هذه الحقوق منذ الخمسينات والستينات. هكذا، يستذكر بعض هؤلاء موجة تجنيس الفلسطينيين التي حصلت في خمسينيات القرن الماضي وستينياتهن،وذلك في عهود الرؤساء السابقين كميل شمعون والرئيس فؤاد شهاب والرئيس شارل حلو. هكذا إذا؟ سبق ان جنّس احدهم الفلسطينيين؟ الم يكونوا يخافوا من التوطين؟ من إختلال التعداد الديموغرافي؟ ولكن عن اي فلسطينيين نتحدث؟ وهل تم ذلك بطلب من اللاجئين انفسهم ام كيف؟ يفاجىء الباحث بان تجنيس هؤلاء ايامها جرى بناءً على طلبات قدمتها الكنائس التي لجأ إليها الفلسطينيون المسيحيون يومذاك بعيد نزوحهم القسري الى لبنان إثر نكبة فلسطين. أو بناءً على طلبات تقدم بها زعماء العائلات اللبنانية الكبيرة يومها والتي بدا انها راغبة في زيادة نفوذها، طالما ان كبر العائلات يزيد في لبنان نفوذها، وذلك عبر ضم أقاربها الفلسطينيين كعائلة الأسدي وقدورة واللحام والنجار وغيرها. فمن المعروف ان العائلات في لبنان وفلسطين وسوريا موزعة عبر الحدود منذ ايام الامبراطورية العثمانية حيث لم تكن هناك حدود فعلية بين البلدان التي قسمتها معاهدة سايكس بيكو. إثر النكبة، كان جرح الناس ما زال مفتوحاً، وتوافد المُرحلين عن أرضهم مستمراً، ما دفع رجال الدين إلى احتضان أبناء طائفتهم من النازحين ومساعدتهم على الاستقرار من دون التفكير في ما يحفظ حق العودة أو يطيحه. يومها لم تكن هذه الإشكاليات السياسية مطروحة، فحجم المأساة نفسها لم يكن قد تم استيعابه بعد. ويرى باحثون في الشأن الفلسطيني أن النفوذ المسيحي في لبنان بعد الاستقلال أدى دوراً اساسيا لمصلحة تجنيس الفلسطينيين المسيحيين، وخصوصاً من بينهم، أهالي المدن ذات الغالبية السكانية المسيحية مثل صفد والناصرة وغيرها. يوضح الباحث في الشأن الفلسطيني صقر أبو فخر أن «الثقل المسيحي في لبنان الخمسينيات سمح بمرور عملية التجنيس يومها. وسياسيو تلك المرحلة أدركوا أن زيادة عدد المسيحيين في لبنان سيكون لمصلحتهم في ظل مخاوف دائمة وهواجس لم تغب عن أبناء الطائفة «الأقلية» في المنطقة الذين يرفضون التحول إلى مغلوب على أمرهم في بلد صغير ليس مسيحياً ولا مسلماً وسط محيط إسلامي». يضيف: «في الستينيات قام بعض الفلسطينيين المقتدرين بما يشبه شراء الجنسية اللبنانية، إذ استحصلوا عليها لقاء مبالغ طائلة». ويأسف أبو فخر لغياب إحصاءات وأرقام دقيقة تشير إلى عدد الذين مُنحوا الجنسية، غير أن التقديرات تصل إلى نحو 30 ألف مجنس اندمجوا في المجتمع اللبناني وتوزعوا بين مناطق جسر الباشا وسن الفيل والضبية ومار الياس وخرجوا من مخيماتهم ليسكنوا الأحياء الفقيرة أو المتوسطة. ويقدّر العدد التراكمي لهؤلاء، بعدما استقروا وأسسوا عائلات أنجبت أولاداً وأحفاداً، بـ100 ألف لبناني من أصل فلسطيني».
غير أن غياب الإحصاءات الدقيقة والتجاذب السياسي المستمر جعلا عدد الفلسطينيين المجنسين خاضعاً لآراء الذين تناولوا الموضوع. هم 15 ألفاً من أبناء القرى السبع بناءً على دراسة كمال فغالي (2003)، 26 ألفاً بناءً على تصريح القيادي الفلسطيني منير المقدح، 70 ألفاً كما يقول مسؤول القضايا الاجتماعية في السلطة الفلسطينية أسعد عبد الرحمن، إلخ. ويساعد في التلاعب بالأرقام ما يُقال عن عدد ممن تقدموا، منذ الخمسينيات حتى منتصف التسعينيات، بطلبات تجنيس ضمن فئة «جنسية قيد الدرس» وفئة مكتومي القيد، إضافة إلى الالتباس الحاصل بشأن منح الجنسية لأبناء القرى السبع. فأهالي هذه القرى يرون أنهم «استعادوا الجنسية» ولم يُجنسوا. وقد ظُلموا في الإحصاء الرسمي الوحيد الذي حصل عام 1932 ولم يشمل أهالي هذه القرى الذين فقدوا بطاقات انتمائهم إلى «دولة لبنان الكبير» بعد اقتطاع أراضيهم وضمها إلى الجليل الأعلى، وفق ما يقول أسعد حداد، ابن قرية إبل القمح في منطقة القرى السبع.
وبعدما أعاد مرسوم التجنيس الأخير في عام 1994 إلى أبناء القرى السبع الحق بلبنانيتهم بعدما عدّوا قانوناً فلسطينيين، شدد المشرّعون في تلك المرحلة على أن منح الجنسية سيكون «لمن يستحق ويستوفي الشروط المحددة، لا وفقاً للاعتبارات الطائفية». غير أن مناقشة الحكومة اللبنانية لهذا المرسوم (حزيران 1994) شددت على أن «تقوم الأجهزة المختصة بمراعاة ضرورات الوفاق الوطني وعدم الإخلال بالتوازن الطائفي» اي بمعنى آخر مراعاة الديموغرافيا وحساباتها. وقامت اعتراضات كثيرة رأت في هذا المرسوم إجحافاً بحق الفلسطينيين المقيمين على الأراضي اللبنانية لأنهم تجاهلهم كأنه خُلق فقط ليحل مشكلة من كانوا في وضع «قيد الدرس» وأهالي القرى السبع الذين اتُّفق على منحهم الجنسية منذ وقت طويل.
عُرفت من الفلسطينيين المجنسين لبنانيا وجوه عديدة. بعضها دخل مجال العمل في الشأن العام من الباب اللبناني الصرف من دون أي إشارة إلى أصلها الفلسطيني، فيما أصر بعضها الآخر على ذكر أصله والمفاخرة به. ومن هذه الوجوه اللبنانية الأولى السيدة منى (جمال) الهراوي، السفير السابق جوني عبدو، الصحافي سمير قصير... إضافة إلى العديد من زوجات السياسيين اللبنانيين أمثال زوجة النائب الأسبق نسيب لحود والوزير الأسبق ميشال سماحة.