في وقت تنتظر فيه المرابع الليلية حلول موسم السهر، يختار رئيس بلدية الميناء، المولج مبدئياً تنشيط الحركة الاقتصادية أن يقفل محالّ وبارات في الشارع الأنشط في مدينته! هكذا عادت التجاذبات بشأن شارع يعقوب اللبان، المعروف باسم «مينو». وفي الأسبوعين الماضيين كثر الكلام عن إغلاق حانات وانتشار الدعارة والمخدرات في شارع حاول تقليد توأمه «مونو» البيروتي لنقل بعض الحيوية إلى الشمال


نسيم عرابي
في الاجتماع الأخير للمجلس البلدي في الميناء، خرجت بعض الأصوات منبّهة من انتشار المخدرات والدعارة في حانات «مينو». هكذا، وبكل بساطة، رمى أحدهم تهمة بالغة الأهمية والخطورة دون اقترانها بأي إثباتات أو محاضر ضبط من الأجهزة الأمنية المولجة متابعة هذه الجرائم. داعياً إلى اتخاذ الإجراء المناسب للحد من «التدهور الأخلاقي الذي يعم الشارع»!
فما كان من رئيس المجلس البلدي، عبد القادر علم الدين، إلا أن اقترح قراراً يقضي بإغلاق جميع الحانات الموجودة في الشارع والإبقاء على المطاعم، فأيده المجتمعون كافة (حوالى ثلثي أعضاء المجلس وتغيّب الثلث) وما كان عليه إلا توجيه كتاب إلى محافظ لبنان الشمالي ناصيف قالوش، لاتخاذ التدابير التنفيذية للقرار.
لم يدم هذا الإجماع طويلاً. إذ أبدى بعض الأعضاء ندمهم على ما آلت إليه الأمور، فقد أصبح الكتاب عند المحافظ دون أخذ تواقيعهم، بعدما اكتفى رئيس المجلس بموافقتهم الشفوية في الاجتماع!
يأسف أحد أعضاء المجلس الذي تخوّف من ذكر اسمه لما آلت إليه الأوضاع في العمل البلدي في الميناء. يكرر عبارة «Solo» كلما ذكر اسم رئيس المجلس البلدي (أي يعمل وحده) «إذ بإمكانه التفرد باتخاذ أيّ قرار أو منعه دون العودة للمجلس، وهذا ما يجب تعديله في قانون البلديات». وعن بعض الأعضاء الذين لم يتوقع أن يوافقوا يقول: «أعتقد أنه غرر بهم بدليل تراجعهم وعملهم الحثيث الآن للعدول عن القرار». أما في ما يتعلق باتهام رواد الحانات وأصحابها بتعاطي المخدرات والاتجار بها والدعارة، فيرد جازماً: «أدعو كل المتضررين إلى رفع دعوى قدح وذم بحق كل من يرمي هذه التهمة دون دليل». ويضيف إن الخبر عار عن الصحة لكونه لم يصدر عن جهاز أمني، «وإن كان الأمر صحيحاً، يجب العمل على معالجة الموضوع لا التشهير ورمي التهم يميناً ويساراً وإلحاق الضرر بسمعة الناس»، فأعضاء المجلس البلدي «موكلون تمثيل أهالي المدينة وخدمتهم لا تشويه سمعتهم!».
إذاً سبب الانتفاضة على الشارع مبهمة حتى الآن. مع استبعاد أن يكون سياسياً بعد إغلاق إحدى الحانات التي يتبع صاحبها لتيار المردة. فرئيس البلدية ليس ببعيد عن هذا التيار، «فهو محسوب حالياً على الرئيس نجيب ميقاتي»، يؤكد المصدر. ويضيف تعليقاً على العمل المشلول في المجلس «لماذا كلّفت لجنة بدراسة وضع الشارع وتنظيمه من خارج اللجنة السياحية، وماذا حدث بعدما أعدّت اللجنة تقريرها؟» كل هذه التساؤلات تطرح جدياً أزمة العقم التي يعانيها المجلس البلدي على كل الأصعدة التنموية. حيث هناك «ذهنية سائدة بعيدة كل البعد عن التطور والتنمية، وطريقة معالجة مشكلة مينو خير دليل!» دون أن ينسى ترداد «الرئيس يعمل Solo » في ختام حديثه.
ولعبد القادر علم الدين (رئيس المجلس منذ عام 1972 باستثناء الفترة بين 2001 و2004) موقف آخر. يرجع رئيس البلدية إلى أكثر من أربعة أعوام، عندما طُرح مشروع إنشاء شارع سياحي في هذه المنطقة لإنعاش المدينة اقتصادياً «وكنت شخصياً من أول الداعمين له، وشجعت الناس على فتح المطاعم وأنير الشارع، إضافةً إلى تحسين شكله العام، وجعله للمشاة فقط». ويأسف علم الدين «لكون بعض أصحاب المحالّ والمستثمرين طلبوا رخص ترميم من البلدية لفتح دكاكين صغيرة ومحالّ للمأكولات، ما لبثت أن تحولت إلى حانات تقدم المشروب، وأصبحت مكاناً يتجمع فيه الشباب والبنات بطريقة تتنافى مع أخلاقيات أهل الميناء المحافظين»! وينفي علم الدين أن يكون للموضوع بعد طائفي، فيؤكد أن الشكاوى التي تأتيه «هي بأغلبها من العائلات المسيحية المحافظة لا من العائلات المسلمة»، نظراً للمشاكل مثل «صوت الموسيقى المرتفع وخروج بعض الشباب عن السيطرة، وطلب الإسعاف لنجدتهم وهم في حالة سكر تام». يجزم علم الدين في حديثه، الذي اتسم بالشدة والحزم، أن لا تراجع عن قرار إقفال الحانات ومنع فتح حانات أخرى «ومن يُردْ أن يعترض فليعترض، ولينقل الحانات إلى قرب مكان سكنه أو سكن أهله لنرى إن كان سيبقي على اعتراضه!».
من جهة أخرى، ينفي علم الدين وجود دعارة، لكنه يكرر تهمة ترويج المخدرات، ليعود ويقول «التهمة لا تشمل الجميع، يمكن واحد أو لا أحد!». لا يبدو الحل سهلاً عند علم الدين، وخصوصاً «بعد عدم خضوع أصحاب الحانات للشروط التي وضعها المجلس البلدي عبر اللجنة التي كلفت تنظيم العمل فيه»، ولا يرى حلاً إلا «بتحويل المستثمرين حاناتهم إلى مطاعم تستقبل العائلات واستحضار رخص وإلغاء كلمة «بار» من قاموس الشارع. فلن أقبل أن يعاد فتح خمارات في عهد عبد القادر علم الدين بعد أن أغلقناها من 35 سنة»، مكرراً في النهاية دعوته الساخرة لأصحاب الحانات والمتعاطفين معهم إلى أن «يفتحوا حانات تحت بيوتهم!».
هذا الواقع المرير يجسد الذهنية التي يجري التعاطي بها مع مشروع يصلح ليكون من أنجح المشاريع في طرابلس. لكن مع لامبالاة بعض أصحاب الحانات حيال حقوق سكان المنطقة في الراحة من جهة، والتحجر في التفكير الذي أصاب العدد الأكبر من أعضاء «كومونة باريس» (نظراً لتاريخ معظم أعضاء المجلس البلدي اليساري) حيال إيجاد حلول بعيدة عن قرارات المنع والإغلاق، تبشر بضرورة إيجاد صيغة بديلة للنمو في الميناء والتقدم بها نحو الأفضل، لتظل متنفساً للطرابلسي المنفتح والبعيد عن الأفكار الظلامية التي يجري نشرها في محيطها، دون أن يتهم من يستضيف الأمسيات الشعرية ومن يحضّر لنشاطات ثقافية أخرى... بترويج المخدرات!