جوزف سماحة


الحصار الإسرائيلي للبنان عمل حربي وهو مخالف للقرار 1701. كيف واجهناه؟ أجرينا اتصالات يومية بمسؤولين عرب وأجانب. أقمنا اعتصاماً نيابياً يتواصل ليلاً ونهاراً. استقبلنا صباحاً الإعلانات المتفائلة لكوفي أنان، فاستبشرنا خيراً قبل أن تحبطنا إسرائيل. تقدّمنا بشكوى إلى مجلس الأمن دون طلب انعقاده خوفاً من أن تغدر بنا «الصديقة» أميركا. أقدمنا على تراجعات في ما يخص وجود القوات الدولية في البحر، إلخ... باختصار، طبّقنا ما كان يدعونا البعض إلى اعتماده من «استراتيجية دفاعية». إلا أن القرار بقي مع إيهود أولمرت وكوندوليزا رايس.
لقد سبق أن فعلنا الأمر نفسه في ما يخص ثكنة مرجعيون وكانت النتيجة تعرّض القافلة للقصف وسقوط ضحايا وتمييع التحقيق.
النقاش الجدي لـ«الاستراتيجية الدفاعية» لم يحصل قبل الحرب. والمفارقة أنه لم يحصل بعدها، علماً بأن هناك مَن تولّى المصادرة فأعلن أن الوقائع العسكرية أثبتت صحة تحليلاته حول لا جدوى الردع. إسرائيل غارقة في مراجعة ما جرى، أما هنا فإننا نطلق الأحكام ولا ننتبه كفاية إلى أننا نفعل ذلك في ظل حصار لا تنفع معه استراتيجية مقترحة.
لا مجازفة في القول إن قادة سياسيين لبنانيين تعاطوا بقدر من الخفّة مع السياسات الدفاعية الواجب اعتمادها في لبنان. لم يبحثوا الموضوع أصلاً. اكتفوا بإصدار بيانات متعجّلة كان القصد منها «تسجيل مواقف» أكثر من الاستغراق في تناول قضية مصيرية إلى هذا الحد والتعاطي معها بالجدية المطلوبة التي تبيّن، منذ 12 تموز، مدى حيويتها.
لن ندخل في بحث مستفيض في أوراق العمل التي قدمها فريق 14 آذار إلى هيئة الحوار (أمين الجميل، سمير جعجع، وليد جنبلاط) ومدى تقاطعها أو تنابذها. نكتفي، هنا، بتسجيل تناقض جوهري وقع فيه قادة هذه الحركة وبعض أبرز الناطقين باسمها.
لقد دعا هؤلاء جميعاً إلى أن يعتمد لبنان استراتيجية دفاعية تستنسخ تلك التي تعتمدها سوريا. وكنا نلاحظ بريقاً خاصاً في عيني كل مَن يرمي هذه العبارة معتبراً أنه حشر محاوره في زاوية لا فكاك منها. وكان واضحاً أن الهمّ السجالي طاغ على ما سواه وأن القصد ربح نقطة لا الدخول في نقاش معمّق.
لقد كان مستغرباً، على الدوام، ألّا يجد هذا الفريق في سوريا ما هو قابل للاستيراد إلّا الاستراتيجية الدفاعية. غير أن نظرة ثانية إلى هذه الحجة تُظهر مدى تهافتها.
إن الفريق نفسه هو الذي يدين دمشق لأنها تستخدم لبنان ساحة، ولأنها تحارب عبره وبواسطة أبنائه. والفريق نفسه هو الذي بالغ في التأكيد على أن «حزب الله» هو مجرد أداة سورية وإيرانية وأنه خاض الحرب بالنيابة. والفريق نفسه هو الذي صرّح، غير مرة، بأن خصومه اللبنانيين يريدون الانقلاب على الوضع واستعادة النفوذ السوري و«التقاط الكستناء من النار» لحساب المحور الإقليمي.
لا تستقيم هذه الاتهامات مع تلك الدعوات. التناقض فاضح. إنّ من يدعو إلى اعتماد الاستراتيجية الدفاعية السورية في لبنان يتصرّف، مرة كأنه لا يعرفها، ومرة ثانية كأنه ينسب إليها ما لا طاقة للبنان عليه. إن السؤال المطروح على هذه الفئة هو التالي: ماذا لو كانت الاستراتيجية الدفاعية السورية متطابقة مع الاتهامات الموجهة إلى دمشق والقائلة بأن سوريا تحارب خارج حدودها من أجل إبقاء جبهة الجولان هادئة؟ هل هناك من يقترح على لبنان «تبريد» جبهة الجنوب من أجل خوض الحرب في الجولان وفلسطين والعراق؟
إن لبنان مدعوّ، في هذه الحالة، إلى اعتماد استراتيجية هي بالضبط مصدر إدانة العلاقة السورية بلبنان. لا حلّ لهذه المفارقة إلّا إذا سلّمنا بأن دعاة هذه الأطروحة لا يتحدثون عن استراتيجية دفاعية بل عن استراتيجية... إعلامية.

٧ أيلول 2006