جوزف سماحة


لا ندري مدى صحّة الأنباء القائلة بأن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة دعا رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير إلى زيارة لبنان للمساهمة في رفع الحصار الإسرائيلي. إذا كان ذلك صحيحاً فإن خطوة إيهود أولمرت بإنهاء الحصار تجعل الزيارة نافلة. وبما أنه ليس من «اللياقة» سحب الدعوة فإن أقل ما يمكن قوله هو أنه أياً يكن المسؤول الذي يلتقي بلير فإنه يفعل ذلك لكن «ليس باسمنا».
بلير شريك كامل في التدمير الذي لحق بلبنان. إنه أحد الزعماء الدوليين الذين أظهروا دعماً غير محدود للعدوان الإسرائيلي. ولقد أدّى دوراً بارزاً، مع آخرين، في قطع الطريق على أي مطالبة مبكرة بوقف النار. أكثر من ذلك، لقد سمحت بريطانيا، بتوجيه منه، بأن تكون محطة لإيصال الأعتدة العسكرية الفتّاكة إلى إسرائيل من الولايات المتحدة في خلال الأعمال الحربية.
وتفيد المعلومات أن الفلسطينيين يعدّون له «استقبالاً» يستحقه في رام الله تضامناً منهم مع اللبنانيين. ليس أقلّ إذاً من التبرؤ من الزيارة أو، في أدنى الأحوال، معاملة الزائر كما هو فعلاً: قاتل.
عندما يزور بلير العراق يفعل ذلك خلسة. من دون إعلان. هذا مع العلم أن السلطات في بغداد مدينة له بوجودها في الحكم. إلاّ أن التجرّؤ على الإعلان المسبق للقدوم إلى بيروت يمثّل استهانة بقسم من اللبنانيين وتعاطياً متعالياً مع قسم آخر هو، بالضبط، القسم الذي يصرّ على التصرف وكأن انتصار أولمرت في الحرب هو جزء من رصيده.
يصعب اتهام مجلة «إيكونوميست» بأنها صاحبة «اللغة الخشبية» التي يتميّز بها، أو هكذا يُقال، القوميون والأصوليون واليساريون. ومع ذلك فإنها تنقل، في عددها الأخير، مبلغ الضرر الذي لحق برئيس الوزراء البريطاني نتيجة رفضه المطالبة الفورية بوقف إطلاق النار في خلال الحرب الأخيرة على لبنان. أكثر من ذلك، تنسب المجلة إلى هذه الواقعة، استمرار التدهور في شعبية الرجل وتصاعد الضغط عليه لإنهاء وجوده في السلطة، ووضع حد لـ«الوداع الطويل»، ولإنقاذ حزبه، حزب «العمال»، من «الهاوية» التي انحدر إليها.
يعود تعبير «الهاوية» إلى جاك سترو وزير الخارجية السابق. إنه الوزير الذي رافق رئيسه خطوات على هذه الدرب في مناسبة غزو العراق. استدرك سترو نفسه فدفع الثمن تهميشاً له في مواقع السلطة. إلاّ أن التهميش أنقذه فلم يواكب بلير في انحداره.
لا يأتينا بلير زائراً. يأتينا مطروداً. لا يريده شعبه في منصبه. والأنكى من ذلك لا يريده حزبه في هذا الموقع. النواب العماليون يتذمّرون منه ويدلّونه على باب الخروج. وعندما يكتشفون عناداً يبادرون إلى شن الحملات العلنية عليه. يستقيل موظفون كبار. يستقيل وزراء. يشحذ السكاكينَ قادة حزبيون يرون أن تقديم بلير أضحية بات شرطاً لإنقاذ الحزب. يتبارى الكثيرون في تحديد الموعد الذي سيختاره رئيس الوزراء لإعلان الاعتزال ويظهر ميل قويّ إلى التأكيد أن هذا الموعد يكون أفضل كلما كان مبكراً أكثر. حتى الحليف الإعلامي روبرت مردوخ بات يرى أن الدفاع عن إرث السنوات السابقة لا بد من أن يمر بخبر عن استقالة مؤكدة.
إنها نهاية بائسة لرجل أثار آمالاً (كاذبة) عند وصوله إلى الحكم قبل تسع سنوات. أمضى الجزء الأول منها صديقاً سياسياً واستراتيجياً وأيديولوجياً لبيل كلينتون. ثم أمضى الجزء الثاني منها رمزاً من رموز الالتحاق بجورج بوش وهلوساته الفكرية ومغامراته العسكرية.
للبريطانيين مآخذ كثيرة على الذي حكمهم نحو عقد من الزمن، وقادهم في طريق اعترضوا عليه وخاصة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية. لقد وعدهم بـ«طريق ثالث» بين «الاشتراكية الديموقراطية» و«الرأسمالية» لكنه بقي ملتصقاً بالإرث التاتشري ومساوئه الكثيرة. ما لا يغفرونه له، في بريطانيا، هو التزوير الفادح للحياة الديموقراطية والمشاركة الفعالة في حملة التضليل التي نجحت في انتزاع أكثرية تشريعية موافقة على حرب العراق وإضفاء ختم قضائي عليها. إن المبالغات الأميركية في تضخيم الخطر العراقي تبدو لعب أطفال أمام المبالغات البريطانية مع فارق جوهري هو أن غالبية الأميركيين كانت مؤيدة للحرب فيما غالبية البريطانيين كانت تعارضها.
لقد جعل بلير السياسة الخارجية البريطانية كناية عن ركض وراء وهم. حسب أنه يزداد نفوذاً في إدارة شؤون العالم بقدر اقترابه غير المشروط من الرجل الذي يدير شؤون العالم. ولم ينتبه كفاية إلى أن الرجل المعني، جورج بوش، يستقي الإلهام من مكان آخر ويؤمن، جاداً، بأنه على اتصال مباشر بقوة مفارِقة ترشده. ويمكن من أراد، أن يستعين بذاكرته ليتأكد كم أن بلير مهّد لزيارات سابقة إلى الولايات المتحدة بتسريبات تزعم أنه سيصل، ويتحدث بتلك اللغة المزهوة بنفسها والمتوهمة قدرة إقناعية فائقة، ويعود حاملاً معه تعديلات جوهرية على السياسة الأميركية. وكان يتعرّض، في كل مرة، لإهانة تصيب كرامة البريطانيين، وتزيد ابتعادهم عنه، ولا تترك فيه أثراً.
يستطيع من يشاء أن يراجع المحاضرة الأخيرة التي ألقاها في جولته الأميركية الأخيرة. نصّب نفسه مؤرخاً، وفقيهاً، وعالم كلام، وراح يحدد الاستراتيجيات المطلوبة في التمييز بين «الأصوليات» وما يجب أن يُصادَق منها أو أن يُحارَب. ولم تمض أسابيع حتى كان بوش يصب ماءً بارداً على رأس حليفه الأطلسي ويقحم المعادلات التي يظنها الثاني معقدة في الثنائية التبسيطية التي لا يتقن غيرها: الكل في سلة واحدة و«الإسلام الفاشي» هو العدو!
ميزة بلير أن الإخفاقات لا تردعه. فهو إذا لم ينجح في إقناع بوش يستسلم لقناعات بوش. ولقد كنا، في لبنان، الضحية الإضافية لهذا السلوك. كنا إذا أردنا أن نعرف ماذا يريد أولمرت نراقب رايس، وإذا أردنا ان نعرف ما يجول في خاطرها نستمع إلى بلير. واستمر الأمر على هذا المنوال ثلاثة وثلاثين يوماً من التدمير والقتل ثم تلت ذلك أيام الحصار المديدة.
لقد تقررت زيارة بلير لـ«رفع الحصار» بعد قرار أولمرت ــ رايس رفع الحصار. وإذا تمت هذه الزيارة فليس المطلوب أقل من أن يُستقبَل الزائر استقبال المجرم القادم لتفقّد مسرح الجريمة. هل يجرؤ مسؤولونا على قول ذلك له مواجهة؟ هل يترك ذوو الضحايا المناسبة تمر من دون أن يشاركوا عشرات ملايين البريطانيين رغبتهم في طرد طوني بلير؟

جوزف سماحة
٨ أيلول 2006