جوزف سماحة


المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس الرئيسان فؤاد السنيورة وطوني بلير كان، بالفعل، مؤتمراً صحافياً. كان كذلك، أولاً، بسبب الأسئلة التي طُرحت. وثانياً، بسبب أجوبة السنيورة. وعاشراً بسبب ارتباك بلير، وتجهّمه، وتخلّيه عن تلك الابتسامة المعبّرة عن إعجاب فائق بالنفس، والقادرة على إغاظة أكثر المتفائلين تفاؤلاً. ولا بد من أن نسجّل للزميلة الإيرلندية نقلها صوت المحتجّين في الخارج وتسجيلها هذه السابقة في المؤتمرات الصحافية التي تُعقد في لبنان وتتميز باحترام مبالَغ فيه لآداب الضيافة. لن نعرف إن كانت «إيرلنديتها» هي دافعها إلى الاحتجاج أم «لبنانيتها». المهم أنها جعلت من رفض زيارة رئيس الوزراء البريطاني نقطة التقاء رمزية بين لبنانيين وبين أكثرية بريطانية ساحقة.
هذا في الشكل. أما في المضمون، فالمؤتمر الصحافي تكثيف للمأزق الذي يعيشه «الاعتدال العربي» ممثلاً بأحد أرقى رموزه، فؤاد السنيورة. وتكثيف، أيضاً، للفشل الذريع الذي يعانيه توجّه غربي أبوي واستعلائي يريد إحلال «العلاقات العامة» محل السياسة.
نبقى في حديث المأزق.
لقد عاش «الاعتدال العربي» مديداً على هامش التمايز المفترض بين السياستين الأميركية والإسرائيلية (يصعب الحديث في ظل علاقة بلير بجورج بوش عن سياسة بريطانية مستقلة خاصة في الشرق الأوسط). نهضت عمارة أيديولوجية وسياسية فوق هذا الهامش المفترض. كان يمكن القول إن المشكلة مع الولايات المتحدة هي في سيطرة إسرائيل (أو «اليهود» حسب قول عنصري) على مفاصل القرار الأميركي. والاستنتاج من ذلك، أن معركة تحرر العرب من الاحتلال هي نفسها معركة تحرير أميركا من «النفوذ الصهيوني» ويكون ذلك بتلبية جميع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة بشكل لا تعود تحتاج معه إلى «الركيزة الاستراتيجية».
لقد كان أساس هذه السياسة «الواقعية» واهياً على الدوام ولكن، أمكنه، أن يشكّل زاداً شبه مقنع في مرحلة الحربين الباردتين: الكونية والعربية ــ العربية.
انهار هذا الأساس نهائياً مع مطالع الألفية الثالثة وبعد 11 أيلول والانعطافة الأميركية العدوانية التي تلاقت مع الاندفاعة التوسعية الإسرائيلية. ومع ازدياد التطابق المعلَن بين واشنطن وتل أبيب كان لا بد لـ«الاعتدال العربي» من أن يدفع الثمن. باكورة هذه الفاتورة كانت «المبادرة العربية» لقمة بيروت وما رافق إسقاطها من حصار المقاطعة في رام الله وصدور القرار بـ«إعدام» ياسر عرفات سياسياً (يقدم محمود عباس دليلاً أشد وضوحاً على أزمة «الاعتدال العربي». إنه «الشاهد الحي» على ذلك).
اشتد الخناق على هذا «الاعتدال» مع زيادة «أسرلة» الوعي الأميركي للعالم ومشاكله. فلقد رفعت واشنطن، لمدة، شعارين متلازمين في «الشرق الأوسط الكبير» هما: مكافحة الإرهاب ونشر الديموقراطية. وشهدنا في هذه المرحلة عنف الانتقادات الموجّهة إلى كلّ من النظامين المصري والسعودي (الإعلام أولاً، ثم الكونغرس، ثم الإدارة). إلى الأول بسبب من ممارساته المجافية للحريات (سعد الدين إبراهيم، أيمن نور، الانتخابات...)، وإلى الثاني بسبب من أيديولوجيته الباعثة على كراهية الآخر.
حصل ذلك في أيام «الربيع الأميركي» في المنطقة، أي، عملياً، قبل اتضاح مدى التعثّر في العراق. ومع ازدياد التورّط الأميركي ــ البريطاني في بغداد اضطر جورج بوش وطوني بلير إلى «وضع بعض الماء في النبيذ»، كما يُقال، أي إلى ترتيب مختلف بعض الشيء للأولويات. فالانتخابات لا تأتي إلاّ بقوى أكثر تصلباً حيال المحور الغربي وامتداده الإقليمي، والزعم الديموقراطي يزعزع أنظمة «صديقة» وقابلة لمزيد من الالتحاق، ويقود الأمران معاً، معطوفين على ممارسات احتلالية، إلى تعميق الهوّة بين «الحضارات» وعرقلة «مكافحة الإرهاب».
لذا شهدنا، في الأشهر الأخيرة، تقديم «مكافحة الإرهاب» على «نشر الديموقراطية». كان الأمر يتبلور تدريجاً إلى أن صاغه البيت الأبيض، قبل أيام، في الوثيقة الصادرة عنه بعنوان «محاربة الإرهاب». ماذا تتضمن؟
الوثيقة جديرة بقراءة دقيقة. تحدد «النجاحات» و«الأهداف» و«الوسائل»، تعيّن «الأعداء» و«المنظّمات» و«الدول»، تميّز بين «الحرب بالأسلحة» و«حرب الأفكار»، إلخ...
ما يهمّنا منها، في هذا المجال، هو أنها تحسم في أن الحل، على المدى البعيد، هو في الديموقراطية لأن الإرهاب ليس نتيجة للفقر، ولا تعبيراً عن عداء حيال أميركا، وليس رداً على الصراع الإسرائيلي ــ الفلسطيني، بل هو ناجم عن «الاستلاب السياسي»، و«ثقافة المؤامرة»، و«نقص الإعلام»، و«الثقافة التي تشوّه الإسلام». الديموقراطية، بهذا المعنى، جواب شاف لهذه «الأمراض» لكنه جواب... بعيد.
في غضون ذلك، وريثما يقضي الله أمراً كان مفعولاً، لا بد من استخدام القوة الأميركية كلها للوقاية من الهجمات، ولمهاجمة الإرهابيين، ولحظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، ولحماية أهداف محتملة، وللتصدي لدول مارقة تقف إيران أولاً وسوريا ثانياً على رأسها... أي، في اختصار، لا بد للولايات المتحدة من أن تفعل ما تفعله الآن معتقدة أنها تشقّ طريق الشعوب العربية والإسلامية نحو فردوس الحرّيات.
ليس سرّاً أنّ صعود هذا التوجّه الجديد (بالتزامن مع «صعود» كوندوليزا رايس) لقي اعتراضاً من غلاة «المحافظين الجدد» الذين شرعوا ينعون «عقيدة بوش». إلاّ أن هذا بحث آخر. فالمهم في الأمر أن الضغط على دول عربية وإسلامية «صديقة» لواشنطن باسم «الديموقراطية» تراجع بعض الشيء لمصلحة تركيز أكبر على «التعاون في مكافحة الإرهاب».
أدّى هذا التعديل الجزئي في النهج الأميركي إلى نوع من الانفراج في أوضاع «الاعتدال العربي» وممثّليه. أميركا تخفّف الضغط المُمارس عليهم مقابل أن يخفّفوا من اعتراضاتهم على سياستها حتى لو استمرت على التطابق نفسه مع إسرائيل.
ولقد كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان مناسبة لاختبار هذه المعادلة الجديدة. ولذا شهدنا «الاعتدال العربي» يجيز هذه الحرب متلطياً وراء ضرورات التصدّي للتمدد الإيراني الداعم للإرهاب.
إلاّ أن الحرب لم تنجح عسكرياً كما كان متوقعاً. ولقد أدّى ذلك إلى إحراج «الاعتدال العربي» وخاصة مع اتضاح أن الولايات المتحدة ماضية في السعي إلى أن تحقق لإسرائيل، ولنفسها، بالسياسة ما لم يتحقق بالقوة.
لقد عاش «الاعتدال العربي» فترة راحة في بداية الحرب، لكنه عاد فدخل في المأزق من دون أن تبدو الإدارة الأميركية مهتمّة به. ولعل الدليل اللبناني على ذلك أن الولايات المتحدة المهتمّة بدعم حكومة «الاعتدال» تجعل الموافقة الإسرائيلية المسبقة شرطاً لتسليح الجيش اللبناني. ولا نشكّ في أن الرئيس السنيورة قرأ خبر «يديعوت أحرونوت» وهو يستعدّ لاستقبال بلير. ومن الطبيعي أن يشعر بقدر من الإحراج وخاصة أن البحث مع الضيف يتناول، في ما يتناول، دعم المؤسسات الأمنية.
لقد وجد السنيورة مخرجاً من ارتباكه بأن كال المديح لـ«الديموقراطية اللبنانية». إلاّ أنه يدرك تماماً أن ذلك لا يغيّر شيئاً في طبيعة «المأزق»: كل علاقة مباشرة بإدارة بوش أو حكومة بلير هي، اليوم، وأكثر من أي يوم مضى، علاقة غير مباشرة بإسرائيل.
لو استمع بوش إلى السنيورة يمتدح الديموقراطية اللبنانية لكان صرخ في وجهه: إنه الإرهاب يا... فؤاد!

١٢ أيلول 2006