جوزف سماحة


«شن حزب الله هجوماً على اسرائيل من دون أي استفزاز. ومن الواضح أن حزب الله أداة إيرانية. من الشائع أنه يتلقى أكثر من مئة مليون دولار سنوياً من النظام الإيراني ويتلقى كذلك الأسلحة المتطورة والتدريب».
الكلام كلام القادة وضباط الصف في «حركة 14 آذار» سوى أن قائله هو ناتان شارانسكي. وما أدراك من هو شارانسكي، المنشق «السوفياتي» السابق، وحليف بنيامين نتنياهو، والمعترض على أوسلو وكل حل سلمي، وملهم جورج بوش عبر كتابه «قضية الديموقراطية». فحوى الكتاب أنه يجب الاشتراط على الفلسطينيين الاهتمام ببناء الديموقراطية حتى إذا فرغوا من ذلك لم يجدوا أرضاً يمارسونها فوقها! هل هناك من يبادر إلى أن يحجز لملهم بوش غرفة في... البريستول!
لم يعد اكتشاف التطابق بين ما يقوله قادة «14 آذار» وما يقوله الإسرائيليون، أو غلاتهم، أو متشدّدو الإدارة الأميركية، لم يعد ذلك حجة سياسية نافعة في السجال اللبناني الداخلي. لقد حصل التطبيع قبل السلام عند البعض. والمقصود بالتطبيع، هنا، أرقى أشكاله: استبطان رواية العدو وأهدافه من دون أي شعور بالذنب، وباقتناع تام بأنها روايتنا وأنها أهدافنا. مع إضافة مهمة تقضي باتهام كل من يجرؤ على هذه الملاحظة التقريرية بأنه «خائن» يعتمد «التخوين» أسلوباً في النقاش!
نقرأ ونسمع بالنسبة إلى «الآذاريين»، حتى العقلاء منهم، وبعضهم عاقل، أن «حزب الله» جالية إيرانية في لبنان. إنهم المستوطنون الجدد وهم، فوق ذلك، فرس. هذا من باب التكريم. أما «الحقيقة» التي يشيعها «الآذاريون» فهي أن «الحزب» أداة إيرانية (درجة أقل من أن يكون إيرانياً) وسورية. وبما أنه يتلقى الدعم من طهران ودمشق فإنه يتلقى في سياق ذلك الأوامر. وحتى عملية 12 تموز فإن التوجيهات للإقدام عليها صدرت بعد ثوان من اجتماع علي لاريجاني بخافيير سولانا وبتوقيت يناسب الأجندة الإيرانية ويهدف إلى إسقاط المحكمة الدولية (خدمةً لسوريا) وربما إزاحة نعمة طعمة من وزارة المهجرين (هذه هي الخدمة الخاصة لميشال عون!).
يفسّر البريستوليون القرار 1701 بما يتجاوز تفسير الهيئة التي أصدرته والدول المولجة بتنفيذه. جاءت الأساطيل لخدمتهم بحراً حيث تسرّعوا في استدعائها ويريدون لجنود الأطلسي أن يتوجّهوا شرقاً نحو البر. أما المطار فمشبوه لأنه في عهدة موظف تابع إدارياً الى وزير داخلية يمتنع عن الدفاع عنه بعدما أبلى البلاء الحسن في تحويل واقعة مرجعيون إلى ستالينغراد (لا بد أنه يعرف القليل عن ستالينغراد لأنه منحدر من أصول يسارية).
«الإخوة» في البريستول موزّعون بين وضع اليد على المساعدات وبين تبديدها. يهتمون بعقد أوثق الصلات تحديداً مع البلدان التي شاركت في العدوان أو تغاضت عنه. يستعْدون كل من دعم المقاومة لأنه انتقص، بذلك، من المقاومة الأخرى المسماة سياسية.
يركّزون في الأذهان مجموعة مفاهيم تم التوافق عليها بعد إرفاقها بتحفّظات ولكن مع إسقاط التحفّظات. يؤكدون في بيانهم أنهم سيجدون ضالتهم بين «الطائفة الكريمة» (أي الكريمة، بين أمور أخرى، بأفواه للإيجار)، ويكتفون، في غضون ذلك، بأن يكتشفوا تمايزات هي، في الواقع، إسقاطات.
الواضح أن لـ«حركة 14 آذار» خطة سياسية، اقتصادية، عسكرية، أمنية، إيديولوجية لإضعاف «المقاومة» وتهميشها وتدجينها ما دام الخلاص النهائي من «الحزب» صعباً. يراهنون، بوعيهم الريفي، على ما يسمونه «المجتمع الدولي»، «وبثباتهم على تحالفاتهم»، على «الضمانات»، ويحاولون تغطية هذه الخطة بكلام مستهلك عن أن التنظيم مستهدف لا قاعدته مع استطرادات فولكلورية حول الاستعداد لقبوله لاعباً سياسياً إذا قرر دخول «بيت الطاعة».
يحصل هذا كله والاحتلال الإسرائيلي قائم، والقنابل العنقودية تنفجر، والطائرات الحربية فوق الرؤوس، والاختراقات يومية. يحصل ذلك كله والقادة المدعوون إلى العمل السياسي مهددون ومتخفون وسيف الاقتصاص يطاردهم.
تتعرض هذه الاستهدافات المعلنة لنوعين من التشذيب. في الأول منهما يتجنب التيار المركزي في الأكثرية تبنّي الخطة كاملة ويترك الأمر لناطقين باسمه ولحلفاء يعلو صوتهم كلما خفّ وزنهم. ويمر التشذيب الثاني عبر الحكومة حيث تدوّر الزوايا، وترسم مسافة عن المرجعيات، وتغلّب ضرورات الحد الأدنى من التوافق. تغرّد الحكومة، بأكثريتها، ضمن سرب «14 آذار» لكنها تطلق صوتاً مغايراً بعض الشيء.
لا نعتقد بأن أحداً في «14 آذار» يمكنه عدم التعرّف على نفسه في المعالم العامة للاستراتيجية المذكورة آنفاً. لذا لن نناقش صحتها أو خطأها، وطنيتها أو لاوطنيتها، قرارها الحر أو التحاقها. هذا بحث آخر. نناقش، حصراً، مدى الحق الذي يملكه الطرف المستهدف في أن يدافع عن نفسه وعن حلفائه وأصدقائه والأقل عداءً له والمحايدين. نناقش، في استطراد ذلك، مدى حقه في الطموح إلى توازن سياسي من نوع آخر يحميه ويريحه. نناقش حقه في إبداء رأي في من يعلنون الخصومة له ويبادرون إلى ذلك.
يمكن الحسم، بما أننا في بلد ديموقراطي يمتدح رئيس وزرائه احتجاجات شبابه على حكومتهم، يمكن الحسم بأن الحق محفوظ. ولكن ما نلاحظه هو أن استخدام هذا الحق يصبح انقلابياً، وتوجيهاً للسلاح إلى الداخل، واستقواءً بالمحور... أي إن الاحتجاج على التهميش ممنوع.
يمكننا أن نزعم أن خصوم «الحزب» المعلنين والأقل علانية إنما يعترضون على الدور السياسي للحزب (ما عدا انتخابات بعبدا ــ عاليه) وذلك في معرض مطالبتهم له بالتحوّل إلى أداء دور سياسي.
قد يقول قائل إن شرط السياسة هو التخلّي عن السلاح. ولكن الواضح، مع التسليم بهذه الفرضية المستحيلة، أن «الإخوة في 14 آذار» لا يملكون فكرة، ولو بالحد الأدنى، عن معنى أن يرمي «حزب الله» ثقله، ولو من دون سلاح، في ميدان الحياة السياسية الداخلية وخاصة إذا ترافق ذلك مع عقد تحالفات تصبح ممكنة في هذه الحالة.
إن الحزب ممنوع من السياسة، لا من السلاح فقط، في العقل الباطني لخصومه. لذا فإن معضلتهم هي في أن سعيهم المحموم لتحقيق المطلب الغربي ــ الإسرائيلي (والعربي الرسمي إلى حد ما) بنزع السلاح إنما هو لحس للمبرد. ليغمض الواحد منهم عينيه لبرهة، وليتخيّل المشهد اللبناني بكل تفاصيله إذا قرر «حزب الله» التعويض عن سلاحه (ضد إسرائيل) بوزن سياسي داخلي.

13 أيلول 2006