strong> عبادة كسر


كعادتها، لا تبخل بلدة النبي شيت البقاعية بالشهداء.
البلدة التي شهدت مجزرة في الأيام الأولى من الحرب (19 تموز)، أوفدت في تموز الماضي ما يقارب 100 شاب للقتال في الصفوف الأمامية. هؤلاء تعلّموا دروس الشهادة من سيد شهداء المقاومة السيد «عباس الموسوي» فزفت القرية في نهاية الحرب ستة شهداء من أبنائها هم (محمد عادل الموسوي، محمد حسين الموسوي، عاكف حسين الموسوي، حسام عبد الهادي الموسوي، علي عباس الموسوي، يوسف علي الموسوي).
توزع هؤلاء الشباب بين صريفا، مارون الراس، وادي الحجير، الطيري... واستقبلت عائلاتهم خبر استشهادهم بصبر وهدوء.
يقول رئيس بلدية النبي شيت عبد اللطيف الموسوي: «عندما شاع خبر استشهادهم كانت العائلات صابرة إلى أقصى الحدود، وكان ذلك بالنسبة إليهم شعار فخر واعتزاز».
ما إن تقترب من منزل الشهيد محمد حسين الموسوي، حتى تطالعك صورة له عُلقت على «عريشة» تدغدغها نسمات عليلة. في المنزل المتواضع تستقبلك صورة عملاقة للشهداء محمد حسين الموسوي وصهره زوج شقيقته عاكف الموسوي. تتشح الأم بالسواد لكن الابتسامة لا تودع ثغرها، وكلمة «الحمد لله» لا تفارق لسانها، يطغى مبسمها على السواد فتجعلك تشعر فعلاً كأنك في فرح محمد لا في مأتمه، وخصوصاً حين تسمعها تقول: «الولد غالي كثير، وفقدانه مؤلم وصعب جداً، لكن الدفاع عن الوطن والدين واجب».
كان الشهيد محمد حسين الموسوي (27 عاماً) قد نذر إذا استُشهد 100 ألف ليرة لبنانية لمقام النبي شيت. كان يتمنى الشهادة دائماً ويطلبها مع أنه مقبل على الارتباط «خطوبة». وكان والداه يساعدانه دائماً في ترتيب أمتعته وحقيبته قبل الذهاب إلى المعركة مع أنهما كانا مدركين تماماً حجم المعركة. يحدث الوالد: «أنا لديّ اندفاع لقتال العدو الغاصب حتى لا يصل إلينا ويدخل بلدنا، فكيف لي أن أمنع ولدي من القيام بواجبه».
منزل الشهيد محمد كان جاهزاً لاستقبال عروسه، فاستقبله بالزغاريد شهيداً. رُشّ الأرز والورد وأعلن عريساً يسكن الريان منذ أن قاتل في وادي الحجير، واستشهد في صريفا.
لعائلة الشهيد عاكف حسين الخطيب الموسوي وضع خاص. الوالد المثقف والضليع باللغة العربية، قاوم في سبل مختلفة بكتابة الشعر مرة وباستشهاد ولديه الاثنين، إضافة إلى شهيد حي أصيب في إحدى المعارك عام 1988. طلب من مسؤولي المقاومة عندما زاروه الالتحاق بأبنائه في التصدي للعدو، فأجابوه «بيكفيك ثلاثة». استشهد ابنه عادل (مواليد 1966) عام 1988 في ربيع شبابه في معركة ميدون الشهيرة، وأصيب ابنه علي في المعركة نفسها، ويقول الوالد أبو علي حسين الخطيب الموسوي: «كان أولادي يقاتلون العدو، الأول استشهد والثاني أصيب ورماه الصاروخ 20 على بعد متراً». الأسرة التي زرعت ثقافة المقاومة وقتال العدو أينعت شباباً قاتلوا جميعاً في الصفوف الأمامية. علي وعدنان (الذي أصيب أثناء قيامه بواجبه في البقاع الغربي)، عادل وعاكف شهيدان في جنان الخلد. ويؤكد أبو علي أنه لو كان عنده شاب صغير بعد يرغب في الانخراط بصفوف المقاومة لألبسه بذلة الجهاد ولقامت والدته بتوضيب أمتعته وحقيبته. لأن «الشهيد حي دائماً، الشهيد يعيش يوم مماته».
عاكف الموسوي استشهد عن عمر يناهز 31 سنة، أطلق عليه والده لقب «شهيد الوعد الصادق» ويتذكر أنه «حين ودع زوجته قال لها إنه لن يعود، وأوصاها لأنها كانت حاملاً آنذاك، وتجهل جنس الجنين بعد، بتسمية الطفلة «نور الهدى» وهكذا كان. كأنه كان يدرك أنها أنثى وقد ولدت بعد أشهر من استشهاد والدها».
تفتخر هذه العائلة بما قدمت وأضحت سيرة يُقتدى بها في القرية لناحية البطولات والتضحيات الجسام. يقرأ أبو علي وصية عاكف له بفخر وعزة ويتوقف عند كل نقطة وفاصلة ويحلّلها ليكتشف كل يوم إضافة جديدة تزهر رونقاً وعزة وكرامة وقناعة بما قام به أبناؤه، ويرى في الوصية حكمة وكنزاً كبيراً لا تختزنه جوف الكرة الأرضية من محبة وسلام وهدوء وسماح، يقول فيها الشهيد عاكف: «أوصيك بالصبر والثبات، فكم عهدتك صاحب القلب الكبير حنوناً سامحني... وادعُ لي واقرأ القرآن عني... فإني أقبّل يديك وجبهتك الطاهرة على تربيتك... احتسبني مع أخي الشهيد السيد عادل... أطلب منكم الرضى... وأنت خير الوالد لي...».