تموز 1998، العراق يتخبط تحت الحصار والسكان يتأقلمون مع جوعهم ونقص الدواء وبطش صدام حسين. وفيما كانت الأنظار كلها ملهوفة نحو لقمة العيش، راح دوني جورج يعدّ للعمل على بعثة تنقيب أثرية في جنوب العراق، في المنطقة الواقعة ضمن الحظر الجوي، حيث أعلن السكان ثورتهم على النظام. المشروع يبدو انتحارياً، لكن جورج مثابر عليه وكان يردد «إنها الطريقة الوحيدة لوقف نهب المواقع الأثرية. يجب على الحكومة أن تدفع أجوراً عالية ودائمة للعمال. سيتركون السرقة ويأتون الى كنف الدولة». دولة لم يكن إلّا هو وحفنة من طلاب الآثار يؤمنون بوجودها، السكان أحبوهم وشيوخ القبائل احترموا الدكتور جورج، فتعاونوا معه. وبقي المشروع الذي أوقف نزف الآثار العراقية الى الغرب حتى اجتياح بغداد. حينها، كان لجورج جبهة أخرى يقاتل عليها، فهو الذي وقف أمام الكاميرات وقال إن «سرقة متحف بغداد هي جريمة العصر التي يتحمّل مسؤوليتها الجيش الأميركي». وعمل جورج سنين على إعادة القطع المسروقة. فاسترد المتحف نحو 7000 قطعة، أي نصف ما سُرق. ومن ثم أنشأ فرقاً من الشرطة المتخصصة بحراسة المواقع الأثرية لوقف السرقات التي تلت الاحتلال، لكن لم يدم جورج في منصبه مديراً عاماً للهئية العامة للآثار والمتاحف في العراق أكثر من سنتين. فرجال القاعدة هدّدوا بقتل أولاده، فهرّبهم إلى سوريا ومن ثم بدأت التهديدات تنهال عليه. فترك سنة 2005 أرض أجداده وهاجر الى الولايات المتحدة، حيث استقبلته جامعة ستوني بروك أُستاذاً محاضراً فيها.

ابن الحبانية (مواليد 1950)، تعلم عشق بلاده من والده، فمدير المركز الثقافي البريطاني في بغداد، كان يمضي أياماً طويلة مع ولده يلقنه خلالها الصيد في الفرات وبين أشجار النخيل، ويعلمه على حد سواء الإنكليزية والعربية. فكبر جورج يتكلم بطلاقة اللغتين وهو يحمل الثقافتين، لكن، كباقي شباب العراق انضم الى الجيش وشارك في حرب العراق وإيران، ورأى في الفاو من المفاجع ما لم يستطع أن ينساه. فقرر أن يتناساه وأقسم بأن لا يخبر أحداً بما عاشه هناك، هو الذي اعتقد بأن حياته بعد تلك الحرب ستكون أسهل، لم يعرف يوماً معنى السلام وشكل الحياة بعيداً عن جبهات النضال. فمع اجتياح الكويت أوكلت إليه مهمة تفريغ المتحف الكويتي من محتوياته. مهمة لم يكن له رأي فيها، فجرد جورج وفريقه قطع المتحف ووضع جداول بها قبل نقلها الى بغداد. ومن ثم أعادها الى الكويت. ليبدأ عملية إنقاذ التحف العراقية التي غطتها المياه الجوفية داخل المتحف في بغداد، مهمة مضنية، إذ تزامنت مع عشر سنين من الحصار حولت حياة العراقيين الى جحيم يومي، وحينما اعتقدوا أن الأيام ستكون أفضل أتى الاحتلال الأميركي.
لم يعرف جورج معنى الحياة السهلة، حتى حينما وصل الى نيويورك وجلس خلف مكتبه بدأ معارك أخرى. أُولاها تغير تفكير طلابه الذين يعدّون العراق صحراء قاحلة لا تعرف من الحضارة شيئاً، والثانية حربه ضد تجار الآثار. فحينما عُرض قرط ذهب لملكة آشورية في المزادات العلنية في نيويورك صدح صوت جورج والوثائق بيده ليؤكد أن القرط عراقي وسرق من موقع نمرود. فأوقفت عملية البيع وعادت الآثار الى المتحف العراقي، هذا المتحف الذي بدا موظفوه ومديروه ضائعين مع خبر وفاة جورج. فزينوا قاعة المحاضرات بالزهر الأبيض، وحملوا الشموع المضاءة والدمع في أعينهم. مفيد الجزائري، وزير الثقافة السابق نعاه قائلاً «وفاته تترك فراغاً كبيراً لأنه كان من ألمع الخبراء في حضارات بلاد ما بين النهرين. وهو وليد فترة لم يخرّج خلالها العراق العديد من علماء الآثار بسبب الحروب والحصار». وقال نائب وزير الثقافة جابر الجابري: «كان جورج أحد رموز هذه البلاد، هو الذي حفر أرضه بيديه بحثاً عن حضاراتها الغابرة، لكن هذه الأرض لم تستطع أن تؤوي جسده بعد موته».
حزين جداً أن ينتهي عالم بهذه الأهمية، مناضل بهذا الثبات، شخص بهذا الشعور بالإنسانية على أرض مطار في بلد غريب. حزين جداً أن يشيع هذا الآشوري الذي كان يعرف عن نفسه باعتبار أن عمره 5000 سنة في بلاد تؤوي أهله لأنهم لاجئون.
إني أبكي جورج الصديق، والأخ، والعالم. إني أبكي جورج المدافع عن آثار العراق في العالم. أنا أبكي خسارة العراق، فمن سيقف اليوم في المؤتمرات العالمية بهذه النبالة وهذه الكاريزما وهذه المعرفة ويتكلم مع الغربيين بلغتهم ومفرداتهم، ويخبرهم بأنهم ينهبون وطنه؟ وأنا إن أبكيه اليوم فلأنني أعي هول الخسارة، ولأنني عرفت الإنسان والعالم، وذلك كان شرفاً لي.