مع بداية كل عام دراسي، تجهد رابطة شباب كفرصير الخيرية في إنجاز مشروع «الكتاب المدرسي» الذي تقدم خلاله الكتب المدرسية الرسمية لأكثر من أربعمئة مستفيد، من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، معتمدةً على المتطوعين، في ظل ارتفاع تكلفة الأقساط والقرطاسية عاماً بعد عام


كفرصير ــ مايا ياغي
تبادل الكتاب المدرسي ليس فكرةً حديثة العهد في منطقة النبطية. فقد انطلقت منذ 1989، مع الأستاذ الثانوي حسن قميحة. آنذاك، كان الوضع المادي الصعب عائقاً حقيقياً حال دون ذهاب الكثير من الأطفال إلى المدارس، حتى الرسمية منها. كانت الفكرة بسيطة، تقضي بجمع الكتب المستعملة من خمسين تلميذاً، مقابل تقديم الكتب للعام الدراسي المقبل، لكل طالب ترفّع إلى صف أعلى. أما بالنسبة للطلاب الذين لا يملكون كتباً قديمة لسبب ما، فتؤجَّر لهم الكتب مقابل مبلغ رمزي لا يتجاوز العشرة بالمئة من سعرها، تعفى منه الحالات الاجتماعية، ويعود ريع المساهمات التي تؤخذ بدل إيجار الكتب، إلى تسجيل الكثير من المحتاجين في المدارس الرسمية. أمر لا يزال سارياً حتى اليوم في بلدة كفرصير.
تدقق أديبة الخنسا حسابات المشروع، ويتولى علي شعيب تسلم الكتب القديمة والتأكد من جودتها، وتسليم الكتب الجديدة للأهالي. تطوع هؤلاء الشباب في الجمعيات الأهلية، لم ينسوا واقع قريتهم العلمي. فببساطة، كان هذا المشروع قد قدم لمتطوعين منهم ما يقدمونه اليوم بدورهم لشباب قريتهم. أديبة، مثلاً، استفادت من المشروع منذ كانت في المرحلة المتوسطة، ورافقها حتى المرحلة الثانوية، ما يشعرها بضرورة متابعته والسهر على إنجاحه، مع كل ما يعترضها من تحديات، فهي الفتاة الوحيدة التي بدأت تطوعها في هذا المجال. أما علي، فيجمع الكتب من إخوته وجيرانه، مؤكداً أن حملاً ثقيلاً أزيح عن كاهل الأهل، وخصوصاً «أن أعباء المدرسة هذه الأيام كبيرة حتى ولو كانت رسمية، وتحديداً في المرحلة الثانوية».
الأمر «البديهي» الآخر هو أن المشروع لا يعرف أي رعاية من أي جهة رسمية. في السنوات السابقة، كانت «الرابطة الشبابية» تقيم عشاءً خيرياً لجمع التبرعات. أما في السنوات الأخيرة، فلم يعد بالإمكان إقامة هذا العشاء، ويعوّل المشروع حالياً على مساعدات بعض المغتربين من أبناء البلدة، على تواضعها. لكن، يؤكد متابعو المشروع أن الفكرة يمكن أن تتوسع لتشمل الدفاتر والقرطاسية والحقائب، إذا توافر المال طبعاً.
الدكتور هاشم بدر الدين من الناشطين في المجتمع المدني، هو المشرف على المشروع. فالمجموعة التي تتولى العمل هم أصدقاء ومن بلدة واحدة، «أرادوا تغيير واقع معين، ليطلقوا لإخوتهم وأخواتهم الحق في التعلم مهما كانت الظروف الاقتصادية صعبة». ويؤكد بدر الدين أن فكرة المشروع رائدة جداً، وتمسّك الشباب بها واضح، فالعقبات التي واجهتهم كبيرة، لكنهم تخطوها بنجاح، المرة الأولى بعدما غيرت وزارة التربية والشباب المنهاج الرسمي، حيث اضطروا إلى التجول على الأهالي المقتدرين وتأمين المساهمات المادية وشراء النسخ الجديدة من الكتب، والمرة الثانية كانت بعد عدوان تموز حين احترقت معظم النسخ الموجودة مع الأهالي وفي مركز الرابطة.
إقبال الأهالي بارز في مركز الرابطة، يوضح حاجة الجنوبيين لمشاريع كهذه. أيمن دندش، أحد الناشطين في مجال العمل التطوعي، يؤكد بساطة الفكرة مع صعوبتها، «فهي السهل الممتنع الذي حاول أبناء القرى الأخرى مجاراتنا فيها، إلا أن تجاربهم لم تعش أكثر من عام واحد، فالمشروع يتطلب نفساً طويلاً وروحاً تطوعية عند الشباب لضمان استمراره». تدخل إيمان قميحة لتأخذ الكتب لأخيها في الصف السادس، وتؤكد جودتها. تقول مبتسمة: «مستعملة إلا أنها جيدة ويمكن استعمالها مرات عديدة».



تغيّر في العقلية القروية

قدم هاشم سبيتي (الصورة) من أبناء كفرصير أطروحته الجامعية عن مشروع الكتاب المدرسي، شارحاً بعض النتائج التي توصل إليها بعد دراسة المشروع منذ انطلاقه. فتبيّن أن نسبة المستفيدين الإناث أكثر من الذكور، ما يعطي صورة جيدة عن تحوّل في العقلية السائدة في القرى، نحو حق الفتاة في التعلم. كما تظهر الدراسة تحولاً في اللغات المعتمدة من الفرنسية إلى الإنكليزية نظراً لزيادة الطلب على المنهاج الإنكليزي، وهذا واقع بدأ ينتشر في معظم قرى الجنوب، إضافة إلى ازدياد عدد المستفيدين ازدياداً ملحوظاً، ما يبرر رفض المجتمع الريفي فكرة عمل الطفل وعدم دخوله المدرسة. لم ينس الطالب أن يشكر المتطوعين في المشروع، لأنهم وفروا مادةً لأطروحته الجامعية، ولأن المشروع حيوي.